بعد إسقاط سلطة بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، برز ملف المقاتلين الأجانب في سوريا كتحدٍ جديد يواجه إدارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. فقد تنوعت الآراء بشأن هؤلاء المقاتلين بين دمجهم الكامل في المجتمع السوري، أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، أو التعامل معهم كلاجئين سياسيين، أو حتى انتقالهم لمناطق نزاع أخرى.
خارطة توزيع المقاتلين الأجانب في سوريا
تتركز الغالبية العظمى من المقاتلين الأجانب في شمال غربي سوريا ضمن صفوف ما عرف سابقاً بـ «هيئة تحرير الشام»، إذ يُقدَّر عددهم بحوالي 3000 مقاتل. معظم هؤلاء فضّلوا البقاء مع «تحرير الشام» بعد أن قطعت الهيئة علاقتها بتنظيم «القاعدة» عام 2016، متبنين الجهاد المحلي وملتزمين بسياسة عدم المواجهة خارج الحدود السورية.
أبرز جنسيات المقاتلين: الأويغور (التركستان) من الصين، المجموعة الأكبر عددياً – الشيشان من روسيا، معروفون بخبرتهم القتالية – العرب، من الخليج، الأردن، مصر، تونس، والمغرب – الأوروبيون، خاصة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا (عدد قليل) – جنسيات أخرى تشمل أوزبكستان، طاجيكستان، تركيا، ألبانيا.
وتشكلت من هؤلاء مجموعات عرقية ومستقلة، أبرزها: الحزب الإسلامي التركستاني بقيادة أبو محمد التركستاني (2500 مقاتل) – أنصار التوحيد بقيادة أبو دياب سرمين (200 مقاتل) – أجناد القوقاز بقيادة مسلم الشيشاني (250 مقاتل) – الشيشان (أجناد الشام) بقيادة أبو عبد المالك الشيشاني (300 مقاتل).
إدارة دمشق الجديدة والتعامل مع المقاتلين الأجانب
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع في تصريحات سابقة أن المقاتلين الأجانب الذين دعموا الثورة السورية وساهموا في إسقاط النظام يستحقون المكافأة، ملمحاً إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية. وبالفعل، بدأت وزارة الدفاع السورية الجديدة بمنح عدد منهم رتباً عسكرية ومناصب قيادية، مثل عبدل بشاري «خطاب الألباني»، عمر محمد جفتشي «مختار التركي»، وعبد العزيز داوود خدابردي من الأقلية التركستانية، إلى جانب شخصيات أخرى.
السيناريوهات الأربعة المحتملة
استناداً إلى التجارب الدولية السابقة، يمكن رصد أربعة سيناريوهات متوقعة للتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب، وهي كالتالي:
السيناريو الأول – الدمج الكامل (النموذج البوسني)
توطين ودمج المقاتلين داخل المجتمع السوري، شرط الالتزام الكامل بالقانون السوري وعدم ممارسة أي نشاط يهدد أمن الدولة أو الدول الصديقة لسوريا.
السيناريو الثاني – العودة إلى بلدانهم (النموذج الأفغاني)
إعادة المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية مع عائلاتهم، في حال وافقت تلك الدول على استقبالهم وإعادة دمجهم وتأهيلهم، وهو أمر قد يكون صعباً في الدول التي تتعامل أمنياً مع هذه الملفات.
السيناريو الثالث – منح اللجوء السياسي بشرط عدم النشاط
إمكانية منح بعض الدول اللجوء السياسي لمجموعة محدودة من المقاتلين ممن لا يشكلون تهديداً أمنياً، مقابل تعهدهم بعدم ممارسة أي نشاط جهادي.
السيناريو الرابع – الانتقال إلى ساحات قتال أخرى (النموذج العراقي)
انتقال المقاتلين إلى مناطق نزاع جديدة، كما حدث مع مجموعة «أجناد القوقاز» بقيادة عبد الحكيم الشيشاني، الذين انتقلوا للقتال في أوكرانيا.
يذكر أنه في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت يوم أمس، 25 مارس 2025، تناول ممثلو الولايات المتحدة والصين قضية المقاتلين الأجانب في سوريا، فالمندوبة الأمريكية شددت على ضرورة تفكيك الوحدات العسكرية السورية التي تضم مقاتلين أجانب، مؤكدةً أن هؤلاء المقاتلين يجب ألا يكون لهم دور في المؤسسات العسكرية أو الحاكمة في سوريا.
من جانبه، دعا المندوب الصيني السلطات السورية المؤقتة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لمكافحة الإرهاب، مع التركيز على التهديد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب، وحثّ على الوفاء بالتزامات مكافحة الإرهاب.
خطوط دمشق الحمراء
حددت الإدارة الجديدة في دمشق ثلاثة خطوط حمراء في تعاملها مع المقاتلين الأجانب، وهي عدم تسليمهم إلا وفق إجراءات قانونية واضحة، وعدم السماح بتكوين تنظيمات مستقلة خارج سيطرة الدولة، وعدم السماح بأي نشاط يهدد أمن الدول الصديقة.
يشار هنا إلى أن سياسة دمج المقاتلين الأجانب ليست جديدة في التاريخ العسكري العالمي؛ فالحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، والحرب الأهلية الإسبانية (ثلاثينيات القرن الماضي)، والفيلق الأجنبي الفرنسي منذ تأسيسه عام 1830، تعد أمثلة لاستيعاب المقاتلين الأجانب ضمن الجيوش النظامية.
ختاماً، يمكن القول إن تحديد مصير هؤلاء المقاتلين يبقى مرتبطاً بتطورات الوضع السياسي والأمني السوري، إضافة إلى طبيعة العلاقات الدولية ومستقبل التعاون بين سوريا والدول التي ينتمي إليها هؤلاء المقاتلون.