في قلب المشرق العربي، تتقاطع القضية الكردية مع تحوّلات كبرى شهدتها المنطقة على مدى قرن من الزمن. ليست هذه المسألة مجرّد صراع على الأرض أو الحقوق، بل مرآة تعكس هشاشة الدولة الوطنية، وتفكك البنى الاجتماعية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. في سوريا، يتجسّد هذا التعقيد بأوضح صوره: تاريخ من التهميش، ونضال طويل من أجل الظهور، وحاضر معلّق بين الإدارات الذاتية والحدود المحرّمة. فكيف تحوّلت الهوية الكردية من حالة «الاختفاء» إلى «الظهور السياسي»؟ ولماذا ظلّت القضية الكردية في مرمى التقاطع بين أنظمة استبدادية، ومشاريع خارجية، وأحلام مؤجّلة؟ هذا المقال يحاول تفكيك المشهد، وتقديم قراءة معمّقة لجذور القضية وتحوّلاتها، كما عايشها أكراد سوريا في ظل أنظمة متغيّرة وسياقات متشابكة.
كرّس المؤرخ جوردي تيجيل (Jordi Tejel) دراساته لتفكيك جذورها وتطورها ضمن السياق السوري منذ بدايات القرن العشرين. ويقدّم تيجيل قراءة تحليلية تتجاوز السرد التقليدي، كاشفاً عن تفاعل السياسة والهوية والواقع الإقليمي في تشكيل وضع الأكراد السوريين اليوم. وبالموازاة، يطرح المفكر الماركسي سمير أمين تحليلاً أوسع للمسألة الكردية، يربطها ببنية الدول القومية والتبعية للإمبريالية، واضعاً القضية ضمن سياق الصراع الطبقي والنظام الرأسمالي العالمي. يجمع هذا المقال بين قراءتين عميقتين ومتداخلتين، ترصدان المسارات التي اتخذتها القضية الكردية بين حلم الدولة، وواقع الاضطهاد والتهميش.
من هم الأكراد؟
الأكراد؛ مجموعة عرقية ينتمي أفرادها إلى ديانات مختلفة، إلا أن غالبيتهن من المسلمين، ويجتمع الأكراد على نفس التاريخ واللغة والثقافة والحيّز الجغرافي، ويقدّر عددهم في الشرق الأوسط بحدود 36.4 مليوناً إلى 45.6 مليون نسمة، وفق إحصائية نشرها المعهد الكردي بباريس عام 2017؛ ويتركّز وجودهم في 4 دول هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا.
ويرى سمير أمين أنّ مفهوم القومية الكردية، مثلها في ذلك مثل القوميات الأخرى، كان متأخراً وارتبط بالتغيير الاقتصادي-الاجتماعي الذي ترافق مع انحطاط الدولة العثمانية وبروز الكورمبرادورية. حتّى أنّه ذهب إلى أنّ الأكراد والأتراك العثمانيون لم يفرقوا بين بعضهم البعض، كما حدث تالياً مع الأتراك الأتاتوركيين، ولهذا ساهموا في أحداث 1915 ضدّ الأرمن كجزء من الجيش الساعي للحفاظ على النظام العثماني.
الجذور الأولى
يعود الوجود الكردي في سوريا إلى ما قبل الاستعمار الفرنسي، لكن موجات اللجوء من تركيا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي عززت الكثافة السكانية الكردية في شمال سوريا، لا سيما في منطقة الجزيرة. ساهمت هذه الهجرات في تعميق الطابع الكردي للمنطقة، وخلقت واقعاً ديموغرافياً جديداً بدأ يفرض نفسه تدريجياً على الساحة السياسية.
لا يخفى على أحد رغبة الكثير من الحركات السياسية الكردية في العصر الحديث بتحقيق حلم “دولة كردية” تضم مناطق جغرافية بين سوريا وإيران وتركيا والعراق، إلا أن هذه الدول، إن لم تتوافق على شيء في معظم تاريخها الحديث، فقد توافقت على منع قيام كيان سياسي مستقل للأكراد.
لكن في هذا السياق، فقد تناول سمير أمين المسألة الكردية من منظور ماركسي نقدي، فاعتبر أنّ القومية الكردية نشأت كردّ فعل على التمييز والاضطهاد، لا كامتداد تاريخي متواصل. وأرجع تأخر نشأتها إلى الطبيعة الريفية لمناطق الأكراد وغياب الحضرنة، ما أخّر تشكّل وعي قومي لديهم مقارنة بشعوب أخرى. كما اعتبر أن الدولة العثمانية لم تكن تمارس اضطهاداً قومياً ممنهجاً، وأن الدولة القومية الحديثة هي التي همّشت الأكراد باسم الهوية الوطنية.
يرى أمين أن المشروع القومي التركي القائم على النموذج الغربي كان عدائياً تجاه الأكراد، وأن قمع الهوية الكردية ساهم في تفجير الصراع. لكنه في الوقت نفسه انتقد التوجهات الانفصالية للحركات الكردية، لأنها بقيت أسيرة رؤى قومية ضيقة، ولم تنفتح على مشروع أممي اشتراكي يوحّد نضالات الأكراد مع الشعوب الأخرى. ورأى أن غياب البعد الطبقي والتحرري من البرامج السياسية الكردية جعلها عرضة للتوظيف من قبل قوى خارجية.
خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920–1946)، حاول الأكراد الحصول على إدارة ذاتية بالتحالف مع السريان، إلا أن المشروع فشل بسبب الرفض العربي وتقاطع المصالح الدولية، كما أدى غياب الدعم العلني الفرنسي إلى إحباط تطلعات الأكراد في تحقيق كيان سياسي معترف به. في تلك المرحلة، برزت حركة خويبون (Xoybûn) التي تأسست في بيروت ودمشق، وسعت إلى استقلال كردستان الشمالية من الحكم التركي. ورغم احتضان فرنسا لها سراً، فإن محدودية الدعم والإقصاء السياسي حرما الأكراد من كيان معترف به. لكن هذه التجربة أطلقت الشرارة الأولى لوعي قومي كردي خاص بسوريا، ووضعت الأكراد في مسار سياسي طويل ومعقّد.
اقرأ أيضاً: أوجلان في تسجيل مصور مرتقب لمناقشة حلول القضية الكردية
من الاستقلال إلى البعث: الهوية الكردية تحت الحصار
مع استقلال سوريا عام 1946، بدأت مرحلة بناء دولة قومية ذات هوية عربية مركزية، ما دفع الأكراد تدريجياً إلى هامش الحياة السياسية والاجتماعية. ورغم مشاركة الأكراد في بعض مفاصل الدولة الجديدة، فإن تصاعد النزعة القومية العربية، ولا سيما بعد استلام حزب البعث السلطة عام 1963، أدّى إلى سياسات ممنهجة لتهميش الأكراد.
بلغ التهميش ذروته مع تنفيذ مشروع «الحزام العربي» في محافظة الحسكة، حيث تم توطين عشائر عربية في المناطق ذات الغالبية الكردية، وتغيير أسماء القرى الكردية إلى عربية، وحرمان أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية في تعداد استثنائي عام 1962. يرى تيجيل أن هذه السياسات لم تضعف الهوية الكردية، بل عزّزت شعورها بالتميّز والغبن التاريخي، وأدت إلى مزيد من التماسك الداخلي، رغم الانقسام الحزبي والسياسي بين الأكراد أنفسهم.
لطالما حذّر أمين من توظيف الغرب للمسألة الكردية لخدمة مشاريع التفتيت والتدخل، مؤكداً أن الحل لا يكمن في إنشاء دولة كردية منفصلة، بل في إعادة بناء الدولة الوطنية على أسس ديمقراطية اجتماعية، تضمن حقوق جميع المكونات، وتفكك النظام الرأسمالي التابع الذي يغذّي التهميش والصراعات القومية. وأنّه بغير ذلك، ستكون القضية الكردية محط تجاذبات تسمح للسلطات المستبدة باتخاذ القضية الكردية مطيّة للاستبداد ضدّهم، وضدّ من يدافع عنهم من غير الأكراد.
اقرأ أيضاً: لماذا عارضت أحزاب كردية الإعلان الدستوري في سوريا؟
حافظ الأسد: بين الاستيعاب والقمع
مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، اتبع نهجاً مزدوجاً تجاه الأكراد: من جهة استمر التهميش البنيوي، ومن جهة أخرى سعى النظام إلى احتواء النخب الكردية ضمن مؤسسات الدولة لضمان ولائها. في الوقت ذاته، استخدم النظام الورقة الكردية في صراعه مع تركيا، فاحتضن حزب العمال الكردستاني (PKK) وسمح له بالتجنيد والعمل في سوريا. هذا الدعم ساهم في بروز الهوية القومية الكردية، وأضفى طابعاً إقليمياً على النضال الكردي.
لحظة انكشاف الهوية
مثّلت أحداث القامشلي عام 2004 لحظة مفصلية في تاريخ الأكراد السوريين. بدأت الاحتجاجات على خلفية مباراة كرة قدم، لكنها تحوّلت إلى انتفاضة واسعة ضد التهميش التاريخي، ورفعت الأعلام الكردية في الشوارع لأول مرة. اعتبر تيجيل أن هذه اللحظة كانت انتقالاً من حالة «الاختفاء» إلى «الظهور السياسي»، حيث أصبحت الهوية الكردية مرئية ومعلنة، ما غيّر علاقة الأكراد مع الدولة والمجتمع السوري.
ثمّ في 2011، ومع انسحاب النظام من العديد من المناطق الكردية بعد اندلاع الثورة السورية، برز حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ليملأ الفراغ السياسي والعسكري. أسّس الحزب إدارات ذاتية، وشكّل وحدات حماية الشعب (YPG)، التي خاضت معارك ضد داعش بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. رغم المكاسب السياسية والعسكرية، بقي المشروع يواجه تحديات داخلية تتعلق بالشرعية والتمثيل الكردي، وتحديات خارجية تمثّلت في الرفض التركي الشديد، وموقف النظام السوري الحذر.
في ضوء تحليل أمين وتيجيل، تبدو القضية الكردية مركّبة وعميقة الجذور، فهي ليست فقط قضية هوية، بل أيضاً انعكاس لصراعات الدولة، والتحالفات الإقليمية، والمصالح الدولية. ويُظهر التاريخ أن التهميش هو ما ولّد القومية الكردية، وأن الظهور السياسي الكردي كان دائماً مشروطاً بالسياقات الإقليمية والدولية.
إن تحقيق العدالة للأكراد لا يمرّ فقط عبر منحهم حكماً ذاتياً أو دولة مستقلة، بل من خلال إعادة تعريف المواطنة والهوية الوطنية في الدول التي يعيشون فيها، على أساس المساواة والعدالة الاجتماعية، وليس على أساس الهيمنة القومية أو الطائفية. كما أن تجاوز هذا التهميش يتطلب مقاربة شاملة لا تكتفي بالحلول التقنية أو الدستورية، بل تعيد طرح سؤال العدالة الاجتماعية والتمثيل المتوازن لكل مكونات المجتمع، ضمن مشروع سياسي جامع لا يستثني أحداً.
اقرأ أيضاً: ما سرّ الموقف التركي الحذر من اتفاق قسد وسلطة دمشق؟
اقرأ أيضاً: مظلوم عبدي يهنئ الرئيس الشرع.. واتفاق على دمج قسد بالجيش السوري