في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي داخل سوريا، توجه المزارعون خلال السنوات الماضية نحو “البيوت البلاستيكية”، وتحديداً ضمن مناطق الساحل السوري، إلا أن هذا التوجه ورغم الفوائد الكبيرة الذي يحققها للمزارعين وللسوق السورية، إلا أنه واجه تحديات كبيرة وخاصّة ما يتعلّق بغياب الدعم الحكومي.
أسلوب حديث
تُعتبر البيوت البلاستيكية إحدى أساليب الزراعة الحديثة، التي جاءت كبديل للزراعة التقليدية، وهي تُسهم في رفع كمية وجودة الإنتاج، وحماية المحاصيل من الآفات والحشرات الضارّة، وتكون عبارة عن هياكل مصنوعة من المعادن، لكنها مُغطاة بأغطية بلاستيكية مفردة أو مزدوجة.
ومن أهم الفوائد التي تحققها البيوت البلاستيكية، إنتاج الخضراوات والفواكه بجودةٍ أعلى، بسبب قدرتها على حماية النباتات من عوامل التلوّث، وكذلك الآفات الناتجة عن الظروف المناخية المختلفة، كما ينتج عن تلك الحماية زيادة في كمية الإنتاج الزراعي، ويمكن تزويدها ببعض الظروف المناخية اللازمة لنمو العديد من النباتات النادرة.
ولهذه البيوت أهمية في تأمين المتطلبات الغذائية من الخضار وغيرها طوال العام، لأن التحكم بدرجات الحرارة والرطوبة وغيرها يتم بسهولة، بعكس الزراعة المكشوفة التي تتعرض للظروف الجوية غير المناسبة لنمو النباتات بفصول معيّنة، وبالتالي تحقق الأمن الغذائي للسكان وتحدّ من الاستيراد.
وتختلف الزراعة في البيوت البلاستيكية عن الزراعة التقليدية في إمكانية التحكم بالمساحة المزروعة والظروف المناخية وإمكانية إنتاج بعض أنواع المزروعات في غير مواعيدها الموسمية من خلال توفير البيئة المناسبة لها، إضافة إلى أنها تحقق ربحاً مادياً أكبر وتكلفة إنتاج أقل.
ولاقت البيوت البلاستيكية رواجاً كبيراً على مستوى العالم، حيث بلغ حجم السوق التجاري العالمي للزراعة الدفيئة داخل البيوت البلاستيكية بنحو 29.6 مليار دولار أمريكي في عام 2020، ومن المتوقع أن يصل بنهاية العام الحالي إلى 50.6 مليار دولار أمريكي، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.3%، وذلك حسب ما ذكرته منصة ماركتس آند ماركتس – Markets and Markets في تقرير لها.
اقرأ أيضاً: تحديات اقتصادية بالجملة.. الفقر في سوريا يصل لمستويات قياسية!
البيوت البلاستيكية في سوريا
في دراسة أجرتها وزارة الزراعة السورية عام 2023، كشفت أن عدد البيوت المحمية المنتجة في سوريا 167,969 بيتاً، منها 99,730 بيتاً تزرع بالبندورة بمساحة 3,975 هكتاراً، ويُقدّر إنتاجها بـ 367 ألف طن، بينما يزرع 13,997 بيتاً بالخيار بمساحة 557 هكتاراً ويقدّر إنتاجها بـ 42 ألف طن.
كما يبلغ عدد البيوت التي تزرع بالفليفلة 15,166 بمساحة 607 هكتارات وبتقدير إنتاج 30 ألف طن، بينما يقدّر إنتاج البيوت التي تزرع بالباذنجان والبالغة 13,522 بيتاً بنحو 53 ألف طن، و1,733 بيتاً تزرع بالكوسا تنتج 4,528 طناً.
وتنتج البيوت البلاستيكية التي تزرع بالفريز والبالغ عددها 17,544 بيتاُ نحو 17 ألف طن، إضافة إلى 6,200 بيت محمي تزرع بمحاصيل أخرى كالموز ونباتات الزينة وغيرها.
وقبل سقوط نظام الأسد، ارتفعت أسعار مادة النايلون المخصصة للبيت البلاستيكي الواحد من مليوني ليرة سورية لتصل حدود 3,7 مليون ليرة سورية، كما ارتفع سعر ظرف البذور للبيت البلاستيكي الواحد من 400 ألف ليرة سورية ليصل إلى حوالي 700 ألف ليرة، في وقت وصلت فيه تكلفة تعقيم البيت البلاستيكي لحوالي مليون ليرة سورية.
وطوال السنوات الماضية واجه فلاحو سوريا نقصاً كبيراً في الدعم الحكومي خصوصاً في تأمين المشتقات النفطية، بمقابل ارتفاع أسعار مستلزماتهم الزراعية، إضافة إلى تحديد الحكومة أسعاراً للمحاصيل الزراعية لا تتناسب مع تكاليف إنتاجها ولا تترك هامش ربح للفلاح، ما دفع الكثير من المزارعين للتخلّي عن أراضيهم الزراعية والتحوّل إلى زراعة الفواكه الاستوائية التي تحقق أرباحاً كبيرة، وإن كان ذلك على حساب التخلّي عن الزراعات الأساسية مثل الزيتون والحمضيات.
اقرأ أيضاً: لتسهيل الاستثمار في سوريا.. شروط جديدة لتسجيل الشركات محدودة المسؤولية
ولعل أبرز المشكلات التي واجهت إنتاج البيوت البلاستيكية كانت العواصف التي تدمّر أعداداً كبيرة من هذه البيوت كل عام، دون أن يحصل أصحابها على تعويضات حكومية.
وخلال عام 2024، تسبب موجة الرياح القوية خلال فصل الشتاء بأضرار كبيرة في البيوت البلاستيكية بريف اللاذقية، وتحديداً في قرى دوير الخطيب، وعين شقاق، سيانو، البرجان، الحويز، رأس العين.
وذكر المزارعون أن الرياح عملت على تناثر شرائح النايلون وتمزيقها، مما أدى تضرر وتلف 40% من المحصول الزراعي ضمن البيوت البلاستيكية، كالخضار ومشاتل الزهور، والفاكهة الاستوائية، دون أن يحصل المزارعون في تلك الفترة على أيّ تعويض حكومي.
ويعوّل المزارعون اليوم على توفر المشتقات النفطية وفتح باب الاستيراد لتأمين مستلزماتهم الزراعية، وبالتالي توسيع عمل البيوت البلاستيكية على نطاق واسع، بحيث تكون قادرة على سد حاجة السوق من المزروعات المنتجة، إضافة إلى إمكانية تصدير الخضار والفواكه إلى الأسواق العربية، بحيث تساهم في إنعاش القطاع الزراعي في سوريا. ولكن هل سيكون هذا متاحاً في ظلّ الأسعار الجديدة، ومنافسة المواد الزراعية التي تحصل على دعم مباشر أو غير مباشر في بلادها؟
اقرأ أيضاً: الثروة السمكية في سوريا: يمكن الرهان على السمك في الماء!
اقرأ أيضاً: منحة العيد ما بين الواقع المعيشي وآراء الاقتصاديين