عاد ملف ترسيم الحدود السورية – اللبنانية إلى الواجهة مجدداً، بعد الاشتباكات التي شهدتها قرية “حوش السيد علي” مؤخراً، وكادت أن تتحول إلى حرب مفتوحة في المنطقة المتداخلة جغرافياً، وسط تساؤلات عن موعد التوصل إلى الاتفاق مشترك يقضي بإطلاق عملية ترسيم الحدود بين البلدين؟
ماذا جرى في “حوش السيد علي”؟
أعلن مصدر عسكري في وزارة الدفاع السورية قبل أيام أن عناصراً من حرس الحدود التابعين للفرقة 52 وأثناء تأديتهم مهامهم بالقرب من قرية “حوش السيد علي”، التي يسيطر عليها حزب الله، تعرضوا للخطف من قبل مجموعة كبيرة من عناصر الحزب بقوة السلاح وجرى إدخالهم إلى الأراضي اللبنانية.
وأضاف المصدر: “أنه بعد تنفيذ عملية الخطف بحق عناصر وزارة الدفاع قام عناصر حزب الله بتعذيبهم ومن ثم قتلهم، وتصوير ذلك ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي”.
ولفت المصدر إلى أنه بعد نشر مقاطع الفيديو للجنود، تدخل الجيش اللبناني واستلم جثثهم من حزب الله وتم تسليمهم للصليب الأحمر اللبناني الذي بدوره سلّمهم للهلال الأحمر السوري.
بعد ذلك، استنفرت الفرقة 52 في وزارة الدفاع السورية وحشدت قواتها عند المنطقة الحدودية، وخاضت اشتباكات عنيفة مع القوات التي أشار لها المصدر السوري بأنّها من “حزب الله اللبناني”، واستطاعت طرد عناصر هذه القوات من القرية، وبسط السيطرة عليها وتمشيط المنطقة المحيطة بها.
بدورها قالت قيادة الجيش اللبناني: “بتاريخ 16 آذار 2025، وبعد مقتل سوريين اثنين وإصابة آخر عند الحدود اللبنانية-السورية في محيط منطقة القصر – الهرمل، نُقل الجريح إلى أحد المستشفيات لكنه ما لبث أن فارق الحياة”.
وأضاف البيان “على إثر ذلك، نفذ الجيش تدابير أمنية استثنائية وأجرى اتصالات مكثفة منذ ليل 16-17 آذار حتى ساعات الصباح الأولى حيث تم تسليم الجثامين الثلاثة إلى الجانب السوري”.
كما أوضح الجيش أن “القرى والبلدات اللبنانية تعرضت للقصف من جهة الأراضي السورية، فردّت الوحدات العسكرية على مصادر النيران بالأسلحة المناسبة، وعمدت إلى تعزيز انتشارها لضبط الوضع الأمني”.
من جانبه نفى “حزب الله” في بيان له “بشكل قاطع ما يتم تداوله بشأن وجود أي علاقة لحزب الله بالأحداث التي جرت على الحدود اللبنانية السورية”.
وأضاف بيان الحزب: “نجدد التأكيد على ما سبق وأعلنا عنه مراراً، بأن لا علاقة لحزب الله بأيّ أحداث تجري داخل الأراضي السورية”.
وبعد أن هدأت الاشتباكات، توصّل الجيشان السوري واللبناني إلى اتفاق لوقف إطلاق نار في المنطقة الحدودية، وتحدثت أوساط إعلامية لبنانية عن دخول الجيش اللبناني إلى القرية وتسيير دوريات أمنية بتنسيق مع الجانب السوري.
وتقع قرية “حوش السيد علي” ضمن قضاء الهرمل في منطقة متداخلة جغرافياً مع سوريا، وتتعامل الأوساط اللبنانية مع القرية على أنها واحدة من القرى اللبنانية، رغم عدم وجود ترسيم صريح للحدود البرية بين البلدين، ووجود عائلات سوريّة ولبنانية داخل البلدة.
اقرأ أيضاً: موجات نزوح كثيفة من الساحل السوري نحو شمال لبنان
حدود متداخلة
تتسم الحدود السورية – اللبنانية بتداخلها الجغرافي في أكثر من موقع، إذ تتكون الحدود التي يصل طولها إلى نحو 375 كيلومتراً من جبال وأودية وسهول دون علامات أو إشارات تدل على الحد الفاصل بين البلدين، وهو ما يزيد حالة الغموض حول تبعية القرى والبلدات المتداخلة فيما بينها، ما جعل تلك المناطق معابر غير شرعية للتهريب لسنوات طويلة.
ويوجد بين سوريا ولبنان مجموعة من المعابر الرسمية، منها “جديدة يابوس – المصنع”، الذي يسلكه العابرون من دمشق إلى بيروت وبالعكس، ومعبر “العبودية” في الشمال اللبناني، وهو يربط لبنان بمحافظة طرطوس.
كما يوجد معبر جوسيه – القاع، ويقع هذا المعبر في البقاع الشمالي، وهو قريب من منطقة القصير السورية، ويُستخدَم لنقل البضائع والمدنيين.
في حين تنتشر مجموعة كبيرة من المعابر غير الشرعية على طول الحدود، وتعدّ مركزاُ للأنشطة غير القانونية مثل التهريب والتنقل غير القانوني، ما يشكّل تحدياً أمنياً واقتصادياً على الإدارة الجديدة في سوريا والحكومة الجديدة في لبنان.
ولعلّ أبرز المعابر غير الشرعية بين سوريا ولبنان، تقع في منطقة البقاع وتحديداً في القاع وعرسال والهرمل، وتستخدم لتهريب المحروقات والمواد الغذائية والسلاح، ومعابر الشمال اللبناني في وادي خالد وعكار، وتستخدم لنقل الأشخاص والبضائع بسبب قربها من القرى الحدودية.
ويسهل وجود المعابر غير الشرعية على طول الشريط الحدودي البري بسبب العلاقات العائلية والقبلية المتداخلة على طرفي الحدود، لأن العديد من القرى الحدودية ينتمي سكّانها لعائلات واحدة مقسّمة بين سوريا ولبنان.
اقرأ أيضاً: تعميم يسمح للسوريين بالعودة عن طريق لبنان
القرار الدولي 1680
ويعود الجدل الحاصل بين سوريا ولبنان حول ترسيم الحدود المشتركة إلى سنوات طويلة، إلا أن الأزمة تصاعدت بشكل كبير عقب حرب تموز عام 2006، ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار القرار 1680 الذي يُطالب بترسيم الحدود بين سوريا ولبنان.
ويقول نص القرار: “نشجع بشدة حكومة سوريا على الاستجابة بشكل إيجابي للطلب الذي قدمته حكومة لبنان تماشياً مع الاتفاقات التي تم التوصل إليها في الحوار الوطني اللبناني، بتحديد حدودهما المشتركة، وخاصة في المناطق التي تعتبر فيها الحدود غير مؤكدة أو محل نزاع، وإقامة علاقات وتمثيل دبلوماسي كاملين”.
ويشير القرار إلى أن من شأن هذه التدابير أن تشكّل خطوة مهمة نحو تأكيد سيادة لبنان وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي وتحسين العلاقات بين البلدين، مما يسّهم بشكل إيجابي في تحقيق الاستقرار بالمنطقة.
بالتوازي مع القرار الأممي، عقد مسؤولو مراقبة الحدود السوريون واللبنانيون سبعة عشر اجتماعاً بين كانون الأول 2005 وأيار 2007، إلّا أنّ جداول أعمال هذه الاجتماعات لم تتناول مسألة ترسيم الحدود، بل اقتصرت على المسائل المتّصلة بالتهريب والجمارك.
ورغم أن لبنان عيّن عام 2008 أعضاء اللجنة المشتركة من الجانب اللبناني لترسيم، إلا أنه لم يحصل أيّ تطور إيجابي، بل إن الحكومة السورية آنذاك قال للمنسق الخاصّ للأمم المتحدة أن دمشق لا تملك القدرات التقنية اللازمة لترسيم حدودها مع لبنان، ولم تعيّن أعضاءها في اللجنة.
اقرأ أيضاً: بماذا توحي رسالة بوتين السرّية للشرع؟!
لبنان الكبير
في 31 آب 1920 أقرّ الجنرال الفرنسي غورو القرار رقم 318 الذي أعلن بموجبه إنشاء دولة لبنان الكبير، والتي ضمّت بيروت والبقاع ومدن طرابلس وصيدا وصور وملحقاتها إلى متصرفية جبل لبنان.
ولم يحصل ترسيم واضح وصريح للحدود المشتركة بين سوريا ولبنان طوال السنوات اللاحقة، كما ساهم التمدد العمراني في المناطق الحدودية بتداخل القرى والبلدات، سكانياً وجغرافياً، وبقي الحال على ما هو حتى الوقت الحالي، على الرغم من المخاطر الأمنية والاقتصادية التي كانت تشكّلها المعابر غير الشرعية على البلدين.
ويبدو أنّ ما حصل قبل أيام في منطقة “حوش السيد علي”، وما سبقه من عمليات تهريب واسعة النطاق، سيدفع تجاه الاتفاق بين الحكومتين اللبنانية والسورية على البدء بعقد اجتماعات فنية وتقنية بغية ترسيم الحدود المشتركة، وإنهاء حالة الفلتان الأمني على المعابر غير الشرعية لما لها من تأثير سلبي على البلدين.
اقرأ أيضاً: ما سرّ الصراع التركي – الإسرائيلي في سوريا؟