لطالما امتاز الزيتون السوري وزيته بجودة عالية جعلته من أفضل الأنواع على مستوى العالم وأكثرها طلباً، لكن هذه المادة تواجه اليوم أخطاراً عديدة، تتمثل بانخفاض الكميات المُنتَجة وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية، والخوف من خسارة الأسواق العالمية، رغم أن الزيت والزيتون السوري كانا يجتاحان الأسواق العربية والعالمية قبل الحرب، فكيف وصلت الزراعة الاستراتيجية إلى مرحلة الانهيار؟
أجود أنواع الزيتون
سوريا تعتبر واحدة من أقدم دول العالم في زراعة وعصر الزيتون، إذ لا تزال المعاصر الحجرية قائمة حتى الآن في أكثر من موقع أثري شمال وجنوب البلاد، وتؤكد بعض الروايات أن الرومان نقلوا من سوريا زراعة شجرة الزيتون إلى إسبانيا وبقية دول حوض البحر المتوسط.
ويؤكد خبراء زراعيون أن زيت الزيتون السوري يحتوي على زيوت طيّارة تفوق بجودتها كافة زيوت البحر المتوسط، فنسبة البيروكسيد في زيت الزيتون السوري تتراوح بين 5 و10 ملم مكافئ، وهي ضمن النسبة المعتمدة عالمياً والتي تصل حتى 20 ملم مكافئ، كما لا تزيد درجة حموضة الزيت على 1.5 ملم مكافئ بالمئة، علماً أن النسبة المسموح بها عالمياً تصل إلى 3.5 ملم مكافئ، والتي إذا زادت عن ذلك تجعل الزيت صناعياً وليس غذائياً.
ذروة الإنتاج
خلال الفترة بين عام 1998 و2006، ازداد إنتاج الزيتون في سوريا بشكل كبير، فقد بلغ عام 1998 نحو 785 ألف طن، استخدم منها نحو 615 ألفاً و295 طناً لإنتاج زيت المائدة الذي وصل إنتاجه إلى حدود 144 ألفاً و820 طناً.
أما في عام 2006 سجّل إنتاج سوريا من الزيتون نحو مليون و190 ألفاً و781 طناً، وتراوح زيت الزيتون بين 150 و175 ألف طن، خُصص للاستهلاك المحلي نحو 130 ألف طن منها، بينما يتم تصدير نحو 45 ألف طن إلى أكثر من 22 دولة في العالم، بحسب بيانات صادرة عن الزراعة السورية.
عام 2010 احتلت سوريا المركز الأول عربياً من حيث عدد أشجار الزيتون والثانية في الإنتاج بعد تونس، بينما احتلت المركز الرابع عالمياً بعدد الأشجار والخامسة في إنتاج زيت الزيتون بعد اسبانيا وايطاليا واليونان وتونس، وقُدِّرَ إنتاج ثمار الزيتون في ذلك العام بـ900 ألف طن، خُصِّصَ منها 150 ألف طن لتصنيع زيتون المائدة، وفي تلك الفترة كان يُتوقع أن يكون الزيتون هو “نفط المستقبل” لسوريا.
وتركزت زراعة الزيتون في المناطق الجبلية شمال البلاد، حيث احتلت محافظة حلب المرتبة الأولى داخل سوريا من حيث المساحات المزروعة مسجلة 39%، وتليها محافظة إدلب بنسبة 24%، بينما محافظة اللاذقية بنسبة 8%، ومحافظة درعا 6.6%، ومحافظة حمص 6.4%، ومحافظة ريف دمشق 6.3%، وحماه 4%، ومحافظة طرطوس 2%، بينما بلغت نسبة باقي المحافظات نحو 2.5%.
وبلغت المساحات المزروعة بأشجار الزيتون في كامل سوريا نحو 600 ألف و498 هكتاراً، حيث تشكّل المساحات المروية نسبة 8.9%، تتركز في ريف دمشق والرقة، بينما المساحات البعلية تبلغ 91.1% تتركز في باقي المحافظات، في حين يقدر العدد الإجمالي لأشجار الزيتون نحو 87.5 مليون، منها نحو 64 مليون شجرة مثمرة.
اقرأ أيضاً: إيطاليا تخصص 4.5 مليون يورو كمساعدت عاجلة لسوريا
بدء الانهيار
انخفضت زراعة الزيتون وصناعة زيت الزيتون بشكل غير مسبوق منذ العام 2011، خاصّة بعد تعرّض مساحات واسعة في إدلب وأرياف حلب لأضرار كبيرة ما دفع نظام الأسد الاتجاه نحو توطين زراعة الزيتون في الساحل السوري عبر توسيع الأراضي المزروعة بالزيتون ودعمها على نطاق واسع، إلا أن ذلك لم يمنع تراجع الإنتاج إلى مستويات قياسية طوال سنوات الحرب.
في العام 2023، انخفض إنتاج سوريا من الزيتون بشكل حاد، كما تراجع إنتاج زيت الزيتون إلى 125 ألف طن، تبلغ حاجة البلاد منه للاستهلاك المحلي نحو 80 ألف طن، بينما بلغت الكميات المصدّرة بحدود 45 ألف طن، أما في عام 2024 فقد انخفضت الكميات المنتجة بنسبة 27%، وهو ما دفع نظام الأسد لإصدار قرار بتحديد الكميات المصدّرة من زيت الزيتون بحيث تتجاوز 5 آلاف طن فقط.
وانخفض استهلاك الفرد السوري من زيت الزيتون إلى 3 كيلوغرامات، بعدما كان يتراوح الاستهلاك قبل عام 2011 بين 5 و6 كيلوغرامات، وذلك يعود بشكلٍ رئيسي إلى انخفاض الكميات المُنتجة وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من زيت الزيتون العام الفائت نحو 75 ألف ليرة سورية، فيما وصل سعر صفيحة الزيت “16 كيلوغراماً” نحو مليون و200 ألف ليرة سورية.
وبعيداً عن الوضع الأمني في البلاد، فقد ارتبط تراجع إنتاج الزيتون في سوريا خلال السنوات القليلة الماضية بشكل وثيق بالأحوال الجوية التي أثّرت على المحاصيل الزراعية، إضافة إلى ارتفاع التكاليف المتعلقة بمستلزمات الإنتاج، كالحراثة، والتقليم، وجني المحصول، إضافة إلى تعرّض محصول الزيتون في إدلب والساحل للكثير من الحشرات، فضلاً عن ارتفاع تكاليف العصر للحصول على زيت المائدة.
لقد كان الزيتون من المحاصيل الاستراتيجية الواعدة في سوريا قبل عام 2011، إلا أنه بات اليوم يواجه أزمات عديدة من مرحلة الإنتاج وارتفاع تكاليفها وصولاً إلى مرحلة العصر وضعف البنية التحتية في المعاصر، لكن التعويل اليوم يكمن في إعادة توحيد الكميات المُنتجة من حلب وإدلب والساحل وباقي المناطق، وهذا ما يفرض على الحكومة الجديدة دعم المزارعين لإعادة زراعة الزيتون إلى الواجهة مجدداً.
اقرأ أيضاً: البيوت البلاستيكية.. ثروة مهملة في سوريا!