تحت وطأة أزمة مياه حادة، يجد السوريون أنفسهم مضطرين للاعتماد على المياه المعدنية كـ “خيار بديل متزايد” للشرب، رغم ارتفاع أسعارها الذي يثقل كاهلهم، فانقطاع المياه المتكرر، وساعات التقنين الطويلة، وتدهور البنية التحتية المائية، حوّلت المياه المعبأة من سلعة كمالية إلى ضرورة ملحة.
لكن هذا الخيار ليس حلاً جذريًا، بل يعكس فشل السياسات في معالجة الأزمة المائية، مع استمرار تحديات الجودة والتكلفة التي تجعلها عبئًا إضافيًا على المواطنين.
واقع التعبئة: بين الإنتاج الرسمي والورش العشوائية
تعتمد سوريا على مزيج من المصادر لتأمين المياه المعبأة، أبرزها الينابيع الجبلية في مناطق مثل دريكيش وعين الفيجة، والتي تعتبر مصدرًا تقليديًا للمياه الطبيعية.
وتشرف الشركة العامة لتعبئة المياه التابعة للدولة على إنتاج هذه المياه عبر وحداتها الأربع (نبع السن، دريكيش، بقين، عين الفيجة)، حيث تنتج حوالي 241 مليون لتر سنويًا، وفقًا لمعايير قياسية تشمل تعقيم العبوات وفحصها مخبريًا.
ومع ذلك، فإن هذا الإنتاج الرسمي لا يكفي لتلبية احتياجات السوق، خاصة مع تزايد الاعتماد على المياه المعبأة بسبب الانقطاع المتكرر لمياه الشبكة العامة، ومن هنا برزت مشاريع التعبئة الخاصة، بعضها مرخص ويستخدم تقنيات حديثة مثل معمل “ماي سن” في الحسكة، والبعض الآخر عبارة عن ورش صغيرة تعتمد على آبار محفورة بعمق غير كاف، مما يعرض المياه لخطر التلوث بمياه الصرف الصحي أو المواد الكيميائية من الأسمدة.
اقرأ أيضاً: «تماسك».. دمشق تشهد ولادة أول تحالف سياسي بعد سقوط الأسد!
الإطار التنظيمي: تحديات التطبيق والجودة
تحاول الدولة تنظيم القطاع من خلال مرسومين رئيسيين: المرسوم رقم 51 لعام 2005 الذي يفرض معايير صحية صارمة، وقرار مجلس الوزراء الأخير الذي حصر استثمار المياه المعدنية بالقطاع العام، ودعا إلى توسيع المعامل الحكومية.
ومع ذلك، تواجه هذه التشريعات تحديات جذرية، فهي صدرت في ظل النظام السابق ولم تطبق بشكل موحد في المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة آنذاك.
واليوم، تبرز ضرورة توحيد الإجراءات الرقابية في جميع المناطق، لا سيما تلك التي شهدت انتشار ورشات تعبئة عشوائية تعمل خارج الإطار القانوني، كما أن الارتفاع السابق لتكلفة استيراد مواد التعبئة (التي كانت تعاني من نقص القطع الأجنبي) دفع بعض المنتجين سابقاً لاستخدام عبوات رديئة، لكن حتى بعد تحسن إمكانية التوريد، لا تزال المعايير الصحية تنتهك بسبب غياب الرقابة وسعي بعض التجار لتعظيم الأرباح عبر استخدام مواد غير آمنة.
اقرأ أيضاً: شتاء 2025 في سوريا.. توقعات استثنائية لم تتحقق والهطولات جاءت مخيبة للآمال
العبوات البلاستيكية: إشكالية بيئية وصحية
لا تقتصر أزمة المياه المعبأة في سوريا على نقص الإنتاج أو ارتفاع الأسعار، بل تتعداها إلى مخاطر جسيمة على الصحة العامة والبيئة نتيجة استخدام عبوات رديئة.
ففي الوقت الذي يشكو فيه المواطنون من “ترقق” العبوات البلاستيكية سريعًا تحت أشعة الشمس، أو تسرب روائح كيميائية إلى المياه، تكمن المشكلة الأعمق في المواصفات غير الآمنة للمواد المصنوعة منها هذه العبوات.
فبدلاً من استخدام البولي إيثيلين (مادة آمنة تستخدم عالميًا في صناعة العبوات الغذائية)، يلجأ بعض المنتجين إلى خامات متدنية الجودة أو مواد معاد تدويرها بشكل غير صحي، بهدف خفض التكاليف وزيادة الأرباح، مما يعرض صحة المستهلكين للخطر، خاصة مع تعريض العبوات لدرجات حرارة مرتفعة.
ولا تقل الإشكالية البيئية خطورة، فهذه العبوات الرديئة تنتج نفايات بلاستيكية غير قابلة للتحلل تلقى في الأراضي الزراعية والمجاري المائية، مما يفاقم التلوث البيئي ويهدد السلامة الغذائية.
وإذا كان نقص القطع الأجنبي في الفترات السابقة قد عذّر بعض المنتجين في تأمين مواد خام مطابقة للمواصفات، فإن المشكلة اليوم تكمن في استمرار الممارسات الربحية غير الأخلاقية، مع غياب الرقابة الصارمة التي تجبر المخالفين على الالتزام بالمعايير.
فحتى مع تحسن إمكانية استيراد “البريفورم” (القوالب البلاستيكية الأولية)، لا تزال الأولوية لـ”التقليد الرخيص” على حساب السلامة.
اقرأ أيضاً: التغير المناخي إلى أين في السنوات المقبلة؟
مسارات الحل: خبرات إقليمية ودروس مستفادة
للخروج من هذه الأزمة المركبة، يمكن الاستفادة من تجارب دول مشابهة واجهت تحديات في إدارة مواردها المائية، ففي الأردن، تمكنت الحكومة من خفض نسب التلوث عبر تشجيع استخدام العبوات الزجاجية القابلة لإعادة الاستخدام، وفرض غرامات على المخالفين، كما اتبعت سياسة دمج الورش الصغيرة في منظومة إنتاج موحدة تحت إشراف حكومي، مما حسن الجودة وقلل الهدر.
وفي السياق السوري،لا بد من إصلاحات هيكلية تبدأ بمراجعة التشريعات القديمة وتوحيدها في جميع المناطق، وإعادة هيكلة قطاع التعبئة عبر دمج الورش العشوائية في منظومة حكومية تضمن الجودة.
كما أن تعزيز الرقابة على المواد الداخلة في التعبئة، وتشجيع البدائل المستدامة مثل العبوات الزجاجية، قد يساهم في الحد من المخاطر.
الماء ليس سلعة، بل حق إنساني:
لا تختصر أزمة المياه المعبأة في سوريا مجرد نقص في الإنتاج أو ارتفاع في الأسعار، بل تعكس إشكالية أعمق في إدارة الموارد وترميم البنى التحتية.
فالحلول المؤقتة قد تخفف العبء اليومي على المواطنين، لكن الاستثمار في حلول مستدامة، بدءًا من إصلاح الشبكات إلى اعتماد تقنيات صديقة للبيئة، يبقى الطريق الوحيد لضمان حق الأجيال القادمة في كوب ماء نظيف.
اقرأ أيضاً: إم بريدج mBridge يهدد هيمنة الدولار: كيف يعمل وما هي تداعياته الجيوسياسية؟