عيد النوروز أو النيروز الذي يقام كل عام في 21 آذار احتفاءً بحياة جديدة وبقدوم الربيع، يعدّ بداية العام الجديد للعديد من الشعوب الشرقية، وربّما أشهرهم الكرد والفرس، وقد اعترفت به اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للبشرية.
أصوله وبداياته
يعود تاريخ عيد النوروز إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، حيث ارتبط بالزرادشتية كاحتفال بانتصار النور على الظلام، وتتعدد وجهات النظر حول أصل العيد وأساطيره وطرق الاحتفال به، ويعتقد بعض الكرد، أن النوروز يعود إلى نشأة الإمبراطورية الميدية حوالي 700 قبل الميلاد.
ولم يكن هذا العيد حدثاً سياسياً أو رمزاً لهوية قومية حتى الخمسينيات، حين تبنت الحركات القومية الكردية في إيران والعراق أسطورة “كاوه” الحداد كأسطورة تأسيس، تروي هذه الرواية أن “كاوه” قاد ثورة ناجحة ضد الملك الآشوري الظالم “ضحاك” أو كما يعرف “زوهاك”، محرراً أسلاف الأكراد من طغيانه، وبعد انتصاره، أشعل “كاوه” ناراً على قمة تلّ ليعلن موت الملك الظالم.
وانطلاقاً من هذه الرواية، يمكن القول إن هزيمة كاوة لضحاك أعادت الربيع إلى المنطقة بعد قرون من الظلم، واليوم، تتفق جميع الحركات الكردية في الشرق الأوسط على هذه السردية ويعتبرونها جزءاً من هويتهم، ويحتفلون بـ”نيروز” كيوم وطني لتكريم كاوه، رمز الأمل والتحرر.
اقرأ أيضاً: عيد الأم: تكريم للعطاء الكبير بتواريخ مختلفة
عيد النوروز في سوريا
هذا العام، وتحديداً يوم الجمعة الفائت، أحيا السوريون الأكراد عيد النوروز في أنحاء البلاد، وشهدت الاحتفالات مشاركة واسعة من الأطياف السورية كافة، وهذه هي المرّة الأولى التي يحتفلون فيها برأس السنة الفارسية والكردية بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي.
فعندما حلّ ليل الخميس وفجر الجمعة، أضاء السوريون الأكراد مدنهم بمشاعل النوروز، كانت الاحتفالات حاشدة ومبهجة، وفي مدن مثل القامشلي وكوباني والحسكة شارك عشرات الآلاف من الناس في حلقات الرقص الفلكلوري، وغنوا أغاني التراث الكردي، في أجواء تغمرها السعادة والأمل.
وفي دمشق، في حي ركن الدين المعروف تقليدياً بـ”حي الأكراد”، تحولت الشوارع إلى ساحات احتفالية، أُضيئت الشوارع بالأعلام الكردية والمشاعل، وانطلقت مسيرة منظمة من “مفرق وادي السفيرة” باتجاه ساحة شمدين، حيث أقاموا احتفال خطابي وأشعلوا الشموع وقرؤوا الفاتحة على أرواح الشهداء الذين سقطوا خلال سنوات الصراع.
وصعد الأكراد إلى جبل الباسوطة بريف عفرين، مستلهمين من رمز النصر لديهم “كاوه”. بإشعال النار على قمة الجبل، معلنين ولادة يوم جديد في تاريخهم، ومتذكرين كيف قضى كاوه على الحاكم الظالم زوهاك، ليبدأ فجر جديد من الحرية.
وما كان لافتاً هذا العام هو امتداد الاحتفالات إلى مناطق غير كردية، إذ شهدت بعض مدن الساحل السوري والسويداء إيقاد شعلة العيد ليعبروا عن تضامنهم مع الشعب الكردي وليحتفوا بالتعدد الثقافي الذي يُشكل جزءاً من هوية سوريا المستقبلية.
اقرأ أيضاً: دير الزور وصورة بألف معنى: هل من مصغي؟
التضييق من النظام السابق
كان احتفال هذا العام يملؤه الأمل ورائحة الحرية بعد سنوات من القمع والتضييق من النظام السابق، إذ كان الاحتفال بالنوروز لفترة طويلة يرتبط بذكريات مؤلمة، حيث كان محظوراً ومشوباً بحملات الاعتقالات والمضايقات، وكان المشاركون في الاحتفالات يواجهون مصيراً مظلماً من قبل قوات الأمن.
تاريخياً، كان يوم 21 آذار عام 1986 يوماً فارقاً، إذ خرج الأكراد في دمشق لأول مرة للاحتفال بعيد النوروز علنياً، لكن فرحتهم لم تدم طويلاً، إذ قابلتهم قوة غير متوقعة من الأمن السوري، ما أسفر عن استشهاد المواطن سليمان آدي، أول شهيد كردي يسقط في النوروز على يد النظام.
ولم تتوقف بعدها الأحداث المأساوية، فذكرى 2 آذار 2004 لا تزال حاضرة في أذهان الكثيرين، حينما قُتل وأُصيب العشرات من الأكراد في مدن مثل القامشلي والحسكة، وفي عام أيضاً 2008، سقط 3 شبان أكراد في القامشلي، وفي 2009، قُتل مدنيان كرديان في الرقة برصاص قوات النظام.
لكن مع بداية الثورة السورية عام 2011 تغيرت المعادلة، أصبح الأكراد السوريون قوة سياسية مهمة، حين تمكنوا من السيطرة على منطقتهم الأصلية، المعروفة باسم “روج آفا” في شمال سوريا، ومع هذه السيطرة، أصبح الاحتفال بالنوروز قانونياً، وتم الإعلان عنه عطلة وطنية لمدة ثلاثة أيام في روج آفا.
ومع ذلك، لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، ففي عشية نوروز عام 2015، تعرض المحتفلون في حي المفتي بمدينة الحسكة لهجومين انتحاريين من قبل مرتزقة داعش، واستشهد حينها 53 مدنياً وأصيب أكثر من 130 آخرين، بينهم أطفال ونساء، وكانت هذه الحادثة إحدى أبشع المجازر التي شهدتها هذه المناسبة.
اقرأ أيضاً: الأغباني الدمشقي: فن ينسج الجمال في كل خيط
طقوس عيد النوروز
لعيد النوروز طقوسه المميزة والمشتركة في دول عدة حول العالم، وفيه يحمل الأكراد مشاعل النوروز، ويبدؤون طقوسهم التي تشمل الرقص الفلكلوري والمسرح وقراءة الشعر والغناء والخطابات أيضاً.
تتزين النساء بالثياب المزركشة بألوان التراث الكردي، ويرتدي الرجال “الشال وشاب”، وتختلط أصوات الضحك والتهاني بين الكبار والصغار، في أجواء تشبه سائر الأعياد، لكن برمزية قومية عميقة.
ترمز ألوان أزيائهم في هذه المناسبة إلى جمال الطبيعة، فالأخضر يعكس الخضرة، والأبيض يمثل السلم والتسامح، والأحمر يروي قصة التضحية في سبيل الحرية، هذه الألوان نفسها تزين علمهم، التي تتوسطه شمس تحمل 21 شعاعاً، ترمز إلى يوم النوروز.
تتضمن مراسم العيد كذلك مائدة السينات السبعة، التي تجمع سبعة أشياء تبدأ بحرف “سين”، وهي سكة “عملة نقدية”، سير “ثوم”، سيب “التفاح”، سنجد “ثمرة مجففة تشبه العناب”، سماق “السماق”، سبزة “الخضرة”، سمنو “حلوى براعم القمح”، سركة “الخل”، وقد تتجاوز السينات هذا العدد، إذ يمكن إضافة عناصر أخرى تعبر عن الثروة والبركة.
تجسد احتفالات النوروز في سوريا هذا العام رسالة قوية للحرية والوحدة الوطنية، وتؤكد الفعاليات على أهمية الاعتراف بحقوق جميع الشعوب، بما في ذلك حقوق المرأة ليكون وجودها شرطاً أساسياً لأي دستور مستقبلي، وفي خضم هذه الأجواء، يبقى عيد النوروز رمزاً للمقاومة والإصرار على بناء مستقبل مشرق للجميع.
اقرأ أيضاً: تبييض اليوم.. عادة سورية أصيلة في رمضان تعكس الأمل والتجدد