اتفق العديد من المحللين أن الرسالة التي كشف عنها الكرملين مؤخراً، ووجَّهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نظيره السوري أحمد الشرع، تكتسب أهمية استثنائية من حيث مضمونها والتوقيت الذي أتت فيه، وسط تحولات سياسية وأمنية حساسة في المشهد السوري. الرسالة التي حملت تأكيداً على عمق العلاقة الثنائية واستعداد روسيا لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، فتحت الباب واسعاً لتساؤلات حول دلالاتها السياسية والاستراتيجية.. فماذا تضمنت؟ وهل مصير الأسد محسوم؟!
تعاون عملي
أشار الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إلى أن بوتين أعرب في رسالته عن تأييده لجهود القيادة السورية الرامية لتحقيق الاستقرار سريعاً، والحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها. واللافت هو صياغة الرسالة التي عبّرت عن توجه واضح نحو تعزيز «التعاون العملي» في جميع المجالات المطروحة على أجندة العلاقات الثنائية.
ورغم أن بيسكوف لم يكشف عن موعد دقيق للرسالة أو طريقة تسليمها، إلا أن توقيتها يحمل إشارة روسية مقصودة للرد على الشكوك التي طالتها، بسبب اتهامات ضمنية لموسكو بالتراخي أو الدعم غير المباشر لـ«فلول النظام السابق».
مرحلة جديدة
وفي السياق ذاته، أكد مصدر دبلوماسي روسي أن بلاده لا علاقة لها بأحداث الساحل، مشيراً إلى أن موسكو لا تدعم أي أنشطة قد تقوّض الاستقرار السوري. تبدو الرسالة إذاً «متعمدة» في اللهجة والتوقيت، وتعكس رغبة موسكو في فتح صفحة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والتعاون البناء.
وقد سبقت هذه الرسالة اتصالات مكثفة، أبرزها مكالمة هاتفية في فبراير الماضي، أكد خلالها بوتين دعم بلاده لسيادة سوريا ووحدة أراضيها واستعداد موسكو لتقديم الدعم الإنساني والاقتصادي.
روسيا ومصير الأسد.. صفحة طُويت
في مقال له نشر يوم أمس، يوضح الكاتب البارز رامي الشاعر موقف موسكو من بشار الأسد بشكل قاطع، مشيراً إلى أن روسيا استقبلت الأسد وعائلته لأسباب إنسانية فقط، دون أن يكون لذلك أي دلالات سياسية. وحسب رأيه، فإنه من السذاجة الاعتقاد بأن أحداً في روسيا يفكر في تسليم الأسد للسلطات في سوريا، وبالنسبة لروسيا، فإن «قضية الأسد محسومة وليست قابلة للنقاش»، والقيادة السورية الحالية ممثلة بالرئيس المؤقت أحمد الشرع هي الجهة التي تدير المرحلة الانتقالية بإشراف روسي مباشر، وبتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية.
وبخصوص أحداث الساحل السوري، يرى الشاعر أنها لم تتجاوز مبادرات فردية ومجموعات عصابية تحركها نزعات انتقامية فقدت نفوذها بعد رحيل النظام السابق.
اقرأ أيضاً: سوريا وروسيا.. ما جديد العقود المبرمة بين البلدين؟!
دعم الاقتصادي والسياسي
وحسب بيسكوف، فإن رسالة بوتين تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية، فروسيا التي تملك وجوداً عسكرياً استراتيجياً في قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس البحري، أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل البنى التحتية، وربما إعفاء دمشق من الديون المستحقة عليها، إلى جانب لعب دور إيجابي في الحوار السوري الداخلي والمساهمة في رفع العقوبات الدولية عن سوريا.
وبطبيعة الحال، لا ينفصل الموقف الروسي من دمشق عن التحركات الدولية الأشمل، فإعلان مجلس الأمن الذي أصر على عملية سياسية وفق القرار 2254 لإرساء استقرار مستدام في سوريا، والمحادثات الهاتفية بين بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تؤكد اهتمام البلدين بتحقيق استقرار الشرق الأوسط، ما ينعكس إيجاباً على حل الملف السوري سلمياً بعيداً عن المواجهات العسكرية.
اقرأ أيضاً: ماذا تكشف تصريحات أولمرت الأخيرة للحوار مع الشرع؟!
بناءً على ما تقدَّم، فإن رسالة بوتين إلى الشرع تمثل منعطفاً مهماً في العلاقات بين موسكو ودمشق. وهي تؤكد بوضوح أن روسيا تسعى لتأمين استقرار سوريا واستعادة دورها الإقليمي بشكل يتناغم مع مصالح الأمن القومي الروسي.