رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد، لا تزال سوريا تشهد حالة من التدهور الاقتصادي الحادّ، لأن 14 عاماً من الحرب دمّرت اقتصادها، حيث يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويعتمد حوالي 16.5 مليون من سكانها على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وبحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست – The Washington Post الأمريكية، فإن الادارة السورية الجديدة تواجه تحديات جسيمة، أبرزها إصلاح الفوضى الاقتصادية، وهي بحاجة كل مساعدة ممكنة، وفي هذا السياق تشير الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تستطيع المساعدة في حلّ الأزمة السورية من خلال تخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي تعيق تعافي البلاد.
وتشير الصحيفة إلى أن العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا من بين أشد العقوبات صرامة في العالم، لأنها جاءت بدعم من الاتحاد الأوروبي ودول أخرى، وقد أدت إلى شلل الاقتصاد السوري، لكن دون أن يتأثر بها الأسد وحاشيته إلا قليلاً.
وكشفت واشنطن بوست أن بعض الدول خففت عقوباتها عن دمشق من أجل السماح باستعادة البلاد عافيتها، حيث علّق الاتحاد الأوروبي العقوبات المفروضة على قطاعات الطاقة والمصارف والنقل، كما رفعت بريطانيا العقوبات عن 24 كياناً سورياً، وألغت تجميد أصول البنك المركزي السوري، وسمحت كندا بوصول الأموال إلى البنوك السورية.
ورغم التخفيف الجزئي للعقوبات من دول العالم، إلا أن سوريا لم تشهد حتى الآن تدفقاً كبيراً للمساعدات المالية والاستثمارات الخارجية، وذلك بسبب استمرار العقوبات الأمريكية الصارمة، ولا تزال دول الخليج تحجم عن المساعدة خشية انتهاك القانون الأمريكي “قيصر”.
اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يرفع العقوبات على عدد من القطاعات، ما هي؟
تحديات اقتصادية بالجملة
تعيش سوريا منذ سنوات أزمات اقتصادية متلاحقة انعكست بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للسوريين، وانكشفت بعض تجليات الوضع الاقتصادي الكارثي بعد سقوط نظام الأسد، حيث قدّر صندوق النقد الدولي متطلبات إعادة الإعمار بنحو 300 مليار دولار تشمل مختلف القطاعات الحيوية في البلاد، فيما ذكرت تقارير لمنظمات دولية أخرى أن الكلفة قد تكون أكبر من ذلك، وهو الأمر الذي يفرض على الإدارة الجديدة في البلاد تحديات كبيرة في إنعاش الاقتصاد الوطني.
وكشفت تقارير عن تراجع معدلات النمو في سوريا، وتقلّصت قيمة الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 8 مليارات دولار خلال 2024، مقارنة بنحو 61 مليار دولار في العام 2010.
وبحسب لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا-ESCWA” ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد-UNCTAD“، فقد سجّل الاقتصاد السوري انكماشاً بمقدار الثلثين تقريباً، فيما يعيش نصف السكان في حالة فقر مدقع “حالة تتسم بالحرمان الشديد من الاحتياجات الإنـسانية الأساسية، بما في ذلك الغذاء ومياه الشرب الآمنة ومرافق الصرف الصحي والصحة والمأوى والتعليم”، كما فقدت الليرة السورية حوالي ثلثي قيمتها خلال عام 2023 وحده، ما رفع معدل التضخم الاستهلاكي إلى 40% عام 2024.
إضافة إلى كل ما سبق، فقد لحقت أضرار جسيمة بالبنية التحتية في سوريا، بما في ذلك الطرق والجسور والمصانع والمستشفيات والمدارس، وتشير التقديرات إلى أن إعادة إعمار البنية التحتية ستحتاج إلى مليارات الدولارات.
وأكدت تصريحات عديدة من وزراء في الحكومة السورية الحالية أن حوالي 70% من شركات القطاع العام في سوريا “خاسرة” رغم أنها تقدم خدمات حصرية مثل شركة الكهرباء وشركات معامل الدفاع، إضافة إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية بشكل كبير بسبب الحرب وعدم الاستقرار، ما أثّر سلباً على فرص النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وهذا بالمناسبة ليس بالأمر الذي يتفق عليه كامل الطيف السياسي في سوريا، وسيكون محل تجاذب في المرحلة المقبلة.
وكشفت الأمم المتحدة الشهر الماضي أن الاقتصاد السوري بحاجة لـ55 عاماً من أجل العودة إلى المستوى الذي كان عليه عام 2010 قبل اندلاع النزاع في البلاد إذا ما واصل النمو بالوتيرة الحالية.
وقال أخيم شتاينر – Achim Steiner، رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: “بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية الفورية، يتطلّب تعافي سوريا استثمارات طويلة الأجل للتنمية، من أجل بناء استقرار اقتصادي واجتماعي لشعبها، عبر زيادة الإنتاجية للحدّ من الفقر، وتنشيط الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي، وإعادة بناء البنى التحتية للخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والطاقة”.
بدوره اعتبر عبد الله الدردري، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الدول العربية أن وجود “استراتيجية شاملة” تتضمن إصلاح الحكم وإعادة بناء البنى التحتية في البلاد يتيح لسوريا استعادة السيطرة على مستقبلها وتقليل اعتمادها على المساعدات الخارجية.
أمام التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها سوريا حالياً، فإن إلغاء العقوبات الأمريكية والأوروبية، وتنشيط الاستثمار، وتحسين البيئة الاقتصادية، وترميم البُنى التحتية المُتهالكة، قد يكون له تأثير كبير على معالجة الأزمات التي تعيشها البلاد في الوقت الحالي، فهل تشهد الأيام المقبلة رفع الضغوط الاقتصادية عن سوريا؟
اقرأ أيضاً: الريف الأوسط في سوريا: أرض تقاوم الفناء