تعد الكمأة والتي تُعرف باسم “الكماية” في سوريا، من ألذ الفطور الصحراوية في بادية الشام، إذ تشتهر بطعمها اللذيذ وفوائدها الصحية الجمة مثل علاج مشاكل العين وغناها بالعناصر الغذائية ومضادات الأكسدة، وتحظى بشعبية كبيرة في أسواق دول الخليج العربي. لكنّ وضع الكمأة في سوريا هذا الموسم لا يبشّر كثيراً، تاركاً ثقلاً على السوق والجامعين الذين يعتمدون عليه من أجل تغيير حياتهم.
ولفطر الكمأة أنواع عدة، لكل منها ميزات خاصة، فـ”الخلاسي” يتميز بلونه القريب من الأحمر، و”الزبيدي” الذي يعد الأفضل في العالم، يمتاز بحجمه الكبير ولونه القريب من الأبيض، وهناك أيضاً “الهوبر” أو”الهبري”، لونه أسود وداخله أبيض وحجمه صغير جداً، إضافة إلى “الجبا” أو “الجيبي”، الذي يشبه البطاطا في الشكل ولكنه يختلف تماماً في الطعم.
اقرأ أيضاً: الريف الأوسط في سوريا: أرض تقاوم الفناء
أين تنبت الكماية في سوريا؟
ينبت هذا الفطر في الأراضي المحمية البعيدة عن عمليات الحراثة والبذار والتسميد، ما يفسر ظهوره في المحميات الطبيعية، ويعد البرق المصاحب للأمطار علامة قوية على وفرته.
وتعد منطقة جبل عبد العزيز وريفها الجنوبي والشرقي في محافظة الحسكة مواقع رئيسية لانتشار الكمأة، خصوصاً بالقرب من الحدود العراقية، كما تنمو في بعض المدن والبلدات السورية مثل تدمر والقريتين والرقة وأرياف حماه وحمص وحلب، ويأتي موسمها بالخير والبركة للسكان.
اقرأ أيضاً: جواهر الطبيعة الثمينة المحميات الطبيعية في سوريا
يتنقّل الناس في هذه المناطق لجمع حبّات الفطر، ويشهد سوقها رواجاً كبيراً يحقق الكثيرون من خلاله أرباحاً طائلة، سواء في الأسواق الداخلية لا سيما في العاصمة دمشق، أو من خلال تصديرها إلى الأسواق العربية والخليجية والأوروبية.
وتتوزع مواسم قطاف الكماية على فترتين يحدد الطقس ملامح كل منهما. يبدأ الموسم الأول في الشتاء، من تشرين الثاني حتى شباط، بينما يظهر موسم قصير آخر في الربيع خاصة في دير الزور.
ومع اقتراب موسم جمعها، يتأهب الكثير من سكان المحافظات والمدن الوسطى والشرقية، إذ تتطلب هذه المهمة عملاً جماعياً وتفرغاً لساعات طويلة تحت أشعة الشمس.
عندما تنمو الكمأة حتى تصل إلى حجم كرة الغولف، تبدأ بتكسير سطح الرمال، وتترك تشققات تدل على مكان وجودها، وللحصول على هذا الفطر الثمين، يستخدم الباحثون أدوات بسيطة مثل قطع معدنية أو خشبية صغيرة، ويبدأوا في نبش التراب بحثاً عن الكمأة التي تمتزج ألوانها مع لون التربة.
اقرأ أيضاً: الحسكة: إشراقة جديدة وعهد جديد لسوريا المصغرة
تأثير الجفاف على سوق الكمأة
وهذا العام، غاب فطر الكمأة عن أسواق دمشق مقارنةً بالسنوات السابقة، ويعود السبب الرئيسي وراء ذلك إلى قلة هطول الأمطار، ولهذا السبب فإن الكميات المتاحة منها أصبحت قليلة، واقتصر وجودها على بعض محلات بيع الخضراوات والفواكه، فلم يتعدّ موسم الكمأة الحالي 10% من الكميات التي اعتاد السوق على استهلاكها.
وارتفعت أسعار الكمأة بطريقة ملحوظة لتتجاوز أسعار اللحوم والدجاج، إذ يتراوح سعر الكيلو الواحد من الكمأة الجيدة في سوق الهال بين 200 ألف و300 ألف ليرة سورية، أما الأنواع الأقل جودة، التي تأتي بحبات صغيرة، فتتراوح أسعارها بين 75 ألف و100 ألف ليرة سورية.
وفي دير الزور، الوضع مشابه، إذ انخفضت كمية فطر الكمأة هذا الموسم إلى نحو 5% مقارنة بالعام السابق، ومع ذلك، فإن الكميات التي تُجمع تُصدّر إلى البلدان المجاورة وليست للاستهلاك المحلي.
اقرأ أيضاً: القمح السوري: مواصفات عالمية تحجبها التحديات!
الكمأة كنز مفقود للسوريين
الكماية من المواد المرغوبة عالمياً، بسبب ميزاتها التي تجعلها مطلوبة بشدة في دول الخليج خاصة، وحتى العام الماضي، كان 95% من محصول الكمأة مخصصاً للتصدير، بينما كان استهلاك السوق الداخلية محدوداً للغاية.
وتفضل الأسواق الخارجية الأحجام الكبيرة والصغيرة من الكمأة، بينما تُستخدم الأنواع المتوسطة في التعبئة والتعليب، ولا يقتصر الطلب العالمي على دول الخليج فحسب، بل يمتد أيضاً إلى أوروبا وكندا وأستراليا.
يذكر أنه قبل اندلاع الثورة السورية، وفي موسم جمع الكماية، كانت أرتال السيارات الخليجية، القادمة من السعودية ودول الخليج الأخرى، تتزاحم بالمئات في سبيل الحصول على “بنت الرعد السمرا”، وهو الاسم الذي يطلقونه على الكمأة.
اقرأ أيضاً: جسور دير الزور الأثرية تروي حكاية المدينة
المخاطر القاتلة في رحلة جمع الكماية
يمثل موسم قطاف فطر الكمأة مصدر رزق للعديد من العائلات في مناطق البادية، لكن هذا النشاط يأتي مع مخاطر جسيمة، فعلى مدى السنوات الماضية، تعرض العديد من المزارعين وهواة جمع الكمأة للاختطاف، وفقد الكثيرون حياتهم بسبب انفجارات الألغام ومخلفات الحرب.
وفي عام 2022، اختطف تنظيم داعش نحو 20 شخصاً، وفي آذار 2021، قُتل 18 شخصاً بسبب انفجار لغم أثناء جمع الكمأة في سلمية بريف حماة.
وفقاً لما قاله إبراهيم، وهو أحد الجامعين للكمأة منذ سنين، لسوريا اليوم 24، فشحّ الأمطار هذا العام عنى شحّاً في توفر المحصول في الريف الواصل بين سلميّة والرقة. وكان إبراهيم قد شرح لنا أنّ العام الماضي لم يكن أيضاً موسم خير، وليس السبب عدم وجود الكمأة، بل قيام قوات النظام المسلحة (يُشار لهم باسم الرابعة في المنطقة) بفرض أتاوات كبيرة على الجامعين للسماح لهم بالجمع، والقيام بالتنسيق مع التجّار الذين كانوا يأتون من دمشق وحلب كي يحتكروا المحصول.
يقول إبراهيم: «العام قبل الماضي، تمكّن بعض الجامعين من شراء سيارات، والزواج، وكساء البيوت، نتيجة بيع الكمأة. لكن هذا العام، بات الوضع سيئاً بالنسبة للذين كانوا بانتظار الموسم، بانين أحلامهم على الكمأة التي يمكن أن تقلب حياتهم».
ومع ذلك، تجبر الظروف الاقتصادية الصعبة الكثيرين على تجاهل هذه المخاطر، إذ يمكن لفطر الكمأة أن يحقق مدخولاً جيداً للعائلات ما يجعلهم يخاطرون بحياتهم.
اقرأ أيضاً: المعاجيق في سلمية أو المعجوقة السلمونية