لم تكن الزيارة الأولى لوزير الخارجية في الحكومة السورية المؤقتة أسعد الشيباني إلى العراق مؤخراً، مجرد زيارة دبلوماسية روتينية بين دولتين جارتين، بل كانت وفقاً لمراقبين كسراً للجليد السياسي بين دمشق وبغداد، والذي أعقب إسقاط نظام الأسد في كانون الأول الماضي.
خلال الزيارة، أكد وزيرا خارجية سوريا والعراق على أهمية التعاون بين بلديهما في مختلف المجالات، ووقوفهما ضد التهديدات الخارجية، وقال فؤاد حسين وزير الخارجية العراقي إن الاستقرار في سوريا يهم العراقيين لأنه يؤثر مباشرة في أوضاع بلدهم، وأعرب عن تأييده للاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وتمنى تطبيقه لصالح سوريا.
وأضاف أن “الشعب السوري عانى مثل الشعب العراقي من سياسات حزب البعث، وكان في نضال مستمر للتخلّص من النظام الشمولي ونظام الفرد الواحد”، كذلك أعلن الوزير العراقي طرح فكرة تأسيس مجلس تعاون بين بغداد ودمشق، إضافة لكشفه أن “غرفة عمليات محاربة تنظيم الدولة سترى النور قريباً”.
وجد العراق نفسه أمام واقع جديد في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد الذي انخرطت الكثير من القوى العراقية في دعمه لقرابة 10 سنوات كاملة، في مواجهة القوى التي دعمت المعارضة، والتي تمكنت أخيراً من الإطاحة بالأسد وتولي إدارة شؤون سوريا.
ويتشارك العراق وسوريا ما يزيد على 600 كيلومتراً من الحدود، التي كانت طوال السنوات الماضية جبهة ساخنة أثّرت على كلا البلدين، وخاصّة ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، لذلك شكّلت التحديات المشتركة للإدارة السورية الجديدة والحكومة العراقية فرصة لبناء علاقات سياسية على أسس واضحة ركيزتها الأساسية مصلحة البلدين الجارين.
وأمام هذا الواقع، بادرت بغداد مبكراً بعد سقوط نظام الأسد بإرسال رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري إلى دمشق، في محاولة لاستكشاف سبل التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وخلال الزيارة، التقى الشطري بالرئيس السوري أحمد الشرع، وتركز النقاش حينها على ملف أمن الحدود، وخاصّة ما يتعلّق بالمخاوف العراقية من عودة تنظيم الدولة، وضرورة ضبط الحدود لعدم السماح بتسلل عناصر من خلايا التنظيم إلى العراق، كما طلب الشطري من الشرع التعاون في منع امتداد الاضطرابات إلى المناطق الحدودية العراقية التي تقطنها عشائر لها ارتباطات مع الجانب السوري.
بالمقابل كشفت مصادر إعلامية أن الشرع تحدث للشطري عن مخاوف دمشق من نشاط الفصائل العراقية التي تعمل خارج نطاق مؤسسة الجيش، والتي تنتشر على الحدود السورية – العراقية، وطالب بإبعادها وتولي قوات الأمن والجيش مسألة أمن الحدود مع استعداد الجانب السوري لتنسيق هذه المسألة.
اقرأ أيضاً: ماذا جرى على الحدود اللبنانية السورية ومن المستفيد؟
محطات وتقلّبات
على مدى العقود الماضية، مرّت العلاقات السورية – العراقية بتقلّبات وتحولات عديدة، من الجفاء والعداء إلى التعاون ومشروع الوحدة الذي كاد أن يبّصر النور في العام 1978.
في ذلك العام، بدأ العراق وسوريا خطوات فعلية على طريق تحقيق الوحدة السياسية بين البلدين، وتم الاتفاق على أن يكون الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد رئيساً لدولة الوحدة، وأن يكون الرئيس العراقي في ذلك الوقت أحمد حسن البكر، رئيساً للحزب، ونائباً لرئيس الدولة.
ولم يصل مشروع الوحدة إلى مراحله النهائية، بعد استقال البكر من منصبه، واستلام صدام حسين الحكم في العراق، وإعلانه عن مؤامرة ضد العراق تقودها سوريا، ما شكّل ضربة قاصمة لمشروع الوحدة، لتبدأ مرحلة عداء وجفاء بين العراق وسوريا استمرت لسنوات.
وكان للموقف السوري المؤيد لطهران في الحرب العراقية – الإيرانية تأثيراً سلبياً على زيادة الجفاء بين دمشق وبغداد، واستمر هذا الحال حتى بعد سقوط نظام صدام حسين ودخول القوات الأمريكية إلى العراق عام 2003، حيث وجّهت قوى عراقية اتهاماً إلى سوريا بدعم فصائل مسلحة أثناء الفلتان الأمني الذي عاشه العراق عقب رحيل صدام حسين.
بعد العام 2010، بدأت العلاقة بين العراق وسوريا تتحول تدريجياً من العداء والجفاء إلى الود والتقارب، مع صعود أحزاب مقرّبة من إيران إلى الواجهة السياسية في العراق ودخولها إلى البرلمان لأول مرة، ودعمت حصول رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي على ولاية ثانية في عام 2010 والذي كان نقطة البداية في تحسن العلاقة بين بغداد ودمشق.
وتصاعد التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين سوريا والعراق طوال السنوات اللاحقة، كما حاولت بغداد في عام 2024 التوسط لحلّ الخلاف التركي – السوري، إلا أن تلك المساعي باءت بالفشل.
وقبل سقوط نظام الأسد بيومين، استضافت بغداد قمة عراقية – سورية – إيرانية على مستوى وزراء الخارجية في محاولة لإيجاد مخرج سياسي للتطورات الأمنية المتسارعة التي شهدتها سوريا، وأدت في النهاية إلى انهيار النظام وهروب الأسد من البلاد.
ومع سقوط نظام الأسد، بادر العراق بإرسال إشارات إيجابية تجاه الإدارة الجديدة في سوريا، إذ قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في أول تصريح عقب سقوط الأسد: “ننسق مع سوريا بشأن تأمين الحدود وعودة اللاجئين ومستعدون لتقديم الدعم، ولا نريد لسوريا أن تكون محطة للصراعات الأجنبية”.
كما أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في شباط الماضي، أن العراق ليس لديه تحفظات أو شروط للتعامل مع القيادة السورية الجديدة، “بل مجموعة من الآراء المتعلقة برؤيتنا حول مستقبل سوريا، ولكن بالنتيجة القرار والإرادة للشعب السوري نفسه”.
اقرأ أيضاً: المركزي السوري يوحد نشرات الصرف.. خطوة نحو استقرار الليرة أم محاولة للسيطرة؟
بغداد ودمشق بعد سقوط الأسد
يعتبر ملف الحدود أبرز التحديات المشتركة بين سوريا والعراق لمنع عودة نشاط تنظيم داعش على طول الشريط الحدودي بين البلدين، وهو ما يفرض ضرورة التنسيق الأمني والسياسي المشترك لمناقشة هذا الملف، الذي ينعكس أيضاً على مخيمات وسجون الدواعش في شمال شرق سوريا.
وفي الوقت نفسه، يرى بعض السوريين المؤيدين لسلطة دمشق بأنّه يقع على عاتق الحكومة العراقية مسؤولية منع تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني إلى الأراضي السورية، أو تهريب الأسلحة والمخدرات من كردستان العراق إلى شمال سوريا.
وسيسهم التعاون الأمني الوثيق بين الجانبين في تأمين الحدود بشكل أفضل وحماية البلدين من التهديدات المشتركة، مع وضع أسس لشراكة قوية مبنية على المصالح المشتركة والاستقرار المتبادل.
اقتصادياً؛ سيسهم تعزيز العلاقات السورية – التركية في تطوير الشراكة التجارية وفتح أسواق البلدين على بعضها، حيث يمكن للعراق من خلال إشرافه على الخليج العربي، وسوريا بموقعها على البحر الأبيض المتوسط، أن يشكّلا طريقاً ذهبياً للتجارة الإقليمية والدولية.
كما يمكن للعراق تقديم تسهيلات تجارية مباشرة، مثل: فتح الأسواق العراقية أمام المنتجات السورية، ودعم الشركات السورية الناشئة، وتسهيل حركة البضائع؛ وكذلك الأمر بالنسبة لسوريا، من خلال فتح الطريق أمام البضائع العراقية إلى الأسواق السورية وإلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
اقرأ أيضاً: بماذا توحي رسالة بوتين السرّية للشرع؟!