شهدت سوريا تحولًا مفاجئًا في السيناريو المناخي المتوقع لشتاء عام 2025، الذي حمل في طياته آمالاً عريضة لتعويض عجز مطري امتد لسنوات عصفت بالقطاعين الزراعي والمائي، فقد رجحت المؤشرات المناخية المبكرة أن يكون الموسم استثنائيًا بمنخفضاته الجوية المتتالية وأمطاره الغزيرة، ما أثار تفاؤلاً بإمكانية إنعاش الأراضي المتشققة وملء السدود شبه الجافة.
لكن الواقع رسم صورة قاتمة مغايرة، حيث أخفقت الكميات المطرية حتى عن مجاراة الحدود الدنيا للمعدلات السنوية، ليتحول الشتاء إلى فصل من الجفاف النسبي والموجات المناخية المتقلبة، خاصة في المناطق الشرقية والداخلية التي تعتمد على الأمطار كشريان حياة لزراعاتها.
ولم تكن هذه النتيجة سوى حلقة جديدة في سلسلة الجفاف الطويلة التي أنهكت البلاد، فبعد أن شهد عام 2023 مستويات جفاف هي الأعلى منذ عقود، وتبعه عام 2024 بتراجع مطري وصل إلى 30% عن المتوسط السنوي، جاء شتاء 2025 ليصعّد من حدة الإنذار.
ورغم أنّ البيانات الرسمية ليست مكتملة بعد، فالبيانات المتوفرة، والتي تعود بمعظمها إلى شهر شباط 2025، تشير إلى أن كميات هطول الأمطار في سوريا كانت أقل من المعدل المعتاد. في المنطقة الشرقية والجزيرة، كانت معدلات الهطول أقل من 10٪ من المتوسط السنوي، بينما سجلت المناطق الجنوبية والوسطى والشمالية حوالي 20٪ من المعدل. أما المنطقة الساحلية الغربية، فقد بلغت كميات الهطول حوالي 45٪ من المعدل العام.
على سبيل المثال، في مدينة حمص، بلغ الهطول حتى منتصف يناير/كانون الثاني 2025 حوالي 37 ملم من أصل 423 ملم للمعدل العام، وفي حماة 93 ملم من أصل 337 ملم. هذه الأرقام تشير إلى أن كميات الأمطار في مارس/آذار 2025 كانت أقل من المتوسط المعتاد في سوريا.
فبدلًا من أن يكون هذا الشتاء طوق نجاة للقطاع الزراعي المنهك، تفاقمت الأزمة مع تضرر مساحات واسعة من المحاصيل الشتوية بسبب تقلبات جوية حادة بين صقيع شديد وارتفاع مفاجئ في درجات الحرارة، ما أضاف أعباء كارثية على مخزون المياه المتناقص في السدود والأنهار، ودفع بالأمن الغذائي إلى حافة الهاوية.
هذا الواقع المرير لا يعكس فقط فشل التوقعات المناخية، بل يسلط الضوء على التحديات المعقدة التي تواجهها سوريا في ظل أزمة اقتصادية خانقة وبنية تحتية متدهورة، فانخفاض الأمطار غير المسبوق، إلى جانب التقلبات الجوية الحادة، يهدد بتحويل الجفاف من أزمة مؤقتة إلى سمة دائمة، مما يعمق حالة عدم الاستقرار ويزيد من المخاطر الاجتماعية والاقتصادية التي يصعب احتواؤها.
وهكذا، يتحول الشتاء من فصل خير منتظر إلى اختبار جديد لقدرة المجتمع السوري على الصمود في مواجهة سلسلة من التحديات البيئية والاقتصادية القاسية.
اقرأ أيضاً: مزارعو طرطوس في دوامة الأزمات: بين ارتفاع الأسعار والطقس القاسي
سيناريو جفاف 2008 هل يتكرر؟
لا يخلو المشهد الكارثي الراهن من استحضار ذكريات مريرة عن جفاف 2008 المدمر، الذي شكل منعطفًا خطيرًا في التاريخ السوري الحديث، حين حوّل غياب الأمطار مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة إلى قاحلة، واضطر مئات الآلاف من الفلاحين إلى النزوح من قراهم تحت وطأة الجفاف، مخلفين وراءهم نسيجًا اجتماعيًا ممزقًا واقتصادًا ريفيًا منهارًا.
اليوم، ومع استمرار تراجع الهطولات المطرية إلى مستويات تنذر بالخطر، ووصول أزمة المياه في مناطق حيوية مثل “الجزيرة السورية” وضفاف الفرات الشرقية إلى حافة الانهيار، يتصاعد القلق من عودة شبح الكارثة ذاتها، ولكن بتفاصيل أسوأ.
فالمؤشرات الحالية لا تنبئ بجفاف عابر فحسب، بل بانهيار ممنهج لشروط الحياة الأساسية؛ فإلى جانب انخفاض مناسيب الأنهار والبحيرات الجوفية إلى أعماق قياسية، تتفاقم الكارثة تحت وطأة انهيار العملة المحلية التي تجاوزت 11,000 ليرة للدولار، وغياب أي استقرار سياسي يظلل المشهد.
وهذه العوامل المركبة تحول التهديد من احتمال إلى حتمية شبه مؤكدة، فالإنتاج المتوقع للقمح في 2025 – الذي يقدر بأقل من ثلث الاحتياجات المحلية – يلامس حدود الكارثة الإنسانية، خاصة مع تآكل قدرة الدولة والمجتمع على امتصاص الصدمات بعد حرب استمرت لسنوات.
وما حدث قبل عقد ونصف كان تحذيرًا صارخًا، ولكن اليوم، وفي ظل تراكم الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، قد لا يقتصر الأمر على تكرار سيناريو النزوح الجماعي، بل ربما يتجاوزه إلى تفكيك أعمق لبنى المجتمع والاقتصاد، في اختبار قاس لقدرة السوريين على الصمود أمام عاصفة لا تكتفي بسرقة الغيث، بل تنهب معها أبسط مقومات البقاء.
اقرأ أيضاً: لتحسين الوضع الاقتصادي.. مصرف سوريا المركزي يتخذ خطوات هامة
استراتيجية إنقاذ عاجلة
وفي مواجهة هذه العاصفة المتعددة الأبعاد، تبرز الحاجة إلى تحول جذري في سياسات إدارة الأزمات، حيث يطالب الخبراء بتبني استراتيجية وطنية طويلة المدى تعيد هندسة التعامل مع الموارد المائية والزراعية، بدلًا من الاكتفاء بمسكنات آنية تعالج الأعراض دون الجذور.
وتتمحور الحلول المقترحة حول تعزيز البنية التحتية عبر بناء سدود صغيرة لتخزين المياه الموسمية، وتحديث أنظمة الري لتقليل الهدر الذي يصل إلى 40% من المياه المستخدمة في الزراعة، إلى جانب الاستثمار في تقنيات الاستمطار الصناعي لتعويض شح الأمطار.
وفي الجانب الزراعي، تطالب الخطط الطموحة بإعادة هيكلة السياسات لدعم محاصيل أقل استهلاكًا للمياه كالشعير ودوار الشمس، مع تقديم حزمة حوافز للمزارعين تشمل قروضًا عينية بفوائد صفرية، وتوفير معدات زراعية موفرة للمياه والطاقة، ورفع سعر شراء القمح لإنقاذ الزراعة البعلية من الانهيار.
ولا تقتصر التوصيات على الحدود المحلية، بل تمتد إلى تعاون دولي عاجل مع منظمات مثل “الفاو” لاستيراد القمح بأسعار مدعومة وتخفيف الضغط عن الزراعة السورية، خاصة مع تناقص الاحتياطي الاستراتيجي إلى ما يكفي لخمسة أشهر فقط.
ولكن الخطة الأكثر إلحاحًا – وفقًا للخبراء – تتمثل في إنشاء أنظمة إنذار مبكر للتغيرات المناخية، لتجنب البلاد مفاجآت الطقس المدمرة، من سيول عابرة إلى صقيع يلتهم المحاصيل.
هذه الإجراءات، وإن بدت طموحة، إلا أنها تشكل خيط أمل وحيد لتفادي تكرار سيناريو 2008، ولكن نجاحها مرهون بتحرك حكومي سريع وجاد، وقدرة على تحويل التوصيات إلى برامج ملموسة، في سباق مع الزمن لإنقاذ ما تبقى من مقومات الحياة في بلد يحاذي الهاوية.
اقرأ أيضاً: التغير المناخي إلى أين في السنوات المقبلة؟
بين التحدي والمسؤولية!
تجد سوريا نفسها اليوم عند مفصل مصيري، حيث تتداخل أزمات المناخ والاقتصاد والاستقرار السياسي في اختبار وجودي لا يحتمل التأجيل.
فالتقلبات المناخية المتسارعة، إلى جانب الانهيار المالي المتفاقم، باتت تهدد بإشعال فتيل أزمة غذائية غير مسبوقة قد تطيح بما تبقى من توازنات هشة، فالمشهد الراهن لا يذكر بكارثة 2008 فحسب، بل ينذر بسيناريو أكثر قتامة في ظل تراكم الأزمات وتآكل القدرة على المواجهة.
والسؤال الجوهري المطروح الآن: هل ستتحول الدروس الماضية إلى سياسات فاعلة، أم أن البلاد ستظل أسيرة الحلول الترقيعية التي تعيد إنتاج الكوارث؟ والإجابة لا تخرج من مربع “الاحتمالات”، بل من جبهة القرارات الجريئة، فالأمن الغذائي لم يعد رفاهية يمكن تأجيلها، بل شرطًا أساسيًا للبقاء.