في 17 آذار 2025، ألقى الأمير رحيم الآغا خان الخامس خطاباً خلال المؤتمر السنوي التاسع للمفوضية الأوروبية لدعم سوريا، الذي حمل عنوان «الوقوف مع سوريا: تلبية الاحتياجات لتحقيق انتقال ناجح». وفي خطابه، تعهّد بتقديم ما لا يقل عن 100 مليون يورو على مدى العامين المقبلين لدعم التعافي في سوريا، فما هي الشروط؟.
عن الخطاب والتعهّد
خلال كلمته، أكّد الأمير رحيم الآغا خان الخامس على العلاقة التاريخية بين الطائفة الإسماعيلية وسوريا، مشيراً إلى أن وجودهم في البلاد يعود إلى أكثر من ألف عام. كما أعرب عن تفهّمه للتحديات التي يواجهها الشعب السوري، وجدّد التزامه بغرس الأمل وتعزيز الاستقرار ودعم الازدهار لجميع السوريين.
وكان الشرط الوحيد الذي نوّه له الإمام رحيم في خطابه هو أن تفي الحكومة السورية الجديدة بتعهدها: “بتقديم حكم مستنير، تعددي، وشامل لجميع السوريين، بغضّ النظر عن الجنس أو الدين أو الخلفية”. وإليكم نصّ كلمة الآغا خان كاملاً:
“بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السعادة،
سيداتي وسادتي،
أشكر المفوضية الأوروبية على دعوتي إلى هذا المؤتمر. إنه المؤتمر الأول الذي يُعقد في ظل الحكومة السورية الجديدة، وبالتالي فهو يتمحور حول إمكانية إحياء البلاد وإعادة ضبط علاقاتها الدولية.
إنّ الطائفة الإسماعيلية، التي أنا إمامها، متجذرة في سوريا لأكثر من ألف عام.
اليوم، تُجدّد الإمامة الإسماعيلية وشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) التزامهما الدائم والمستمر بدعم الشعب السوري، وإرادتنا في المساهمة في إرساء السلام، وتعزيز الأمل، ودفع عجلة التنمية نحو مستقبل أفضل.
نُعلن اليوم عن تعهّدنا بتخصيص ما لا يقل عن 100 مليون يورو خلال العامين المقبلين لدعم تعافي سوريا.
وبالتعاون مع شركائنا، نعتزم تكثيف الجهود الإنسانية، والاستثمار في الطاقة المتجددة وغيرها من القطاعات الاقتصادية الحيوية، وتوسيع نطاق توفير الرعاية الصحية والتعليم، والتصدي لانعدام الأمن الغذائي، بالإضافة إلى ترميم وصون مواقع التراث الثقافي الغني لسوريا.
يتطلب تحقيق هذه الأهداف تهيئة ظروف أساسية، في مقدّمتها إنهاء العنف والالتزام بالسلام من جميع الأطراف.
إن أسمى آمالنا وتوقعاتنا الصادقة أن تفي الحكومة السورية الجديدة بوعدها بتقديم حكم مستنير، تعددي، وشامل لجميع السوريين، بغضّ النظر عن الجنس أو الدين أو الخلفية.
الآن هو الوقت لمعالجة الاحتياجات الإنسانية الهائلة، ومواجهة التدهور الاقتصادي الذي يؤثر على البلاد.
هذا هو الوقت المناسب لتقديم المساعدة الانتقالية العاجلة على نطاق واسع، لأنّ الشعب السوري بحاجة للدعم.
لدينا اليوم فرصة، بل واجب، لغرس الأمل، وتحقيق الاستقرار، وتعزيز الازدهار في سوريا – لجميع السوريين.
شكراً لكم”.
اقرأ أيضاً: البوكمال بين المبادرات والمطالبات الأهلية
عن شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) ومشاريعها في سوريا
تُعتبر شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) مجموعة من الوكالات التنموية التي تعمل في مجالات متنوعة تشمل حماية البيئة، والصحة، والتعليم، والهندسة المعمارية، والثقافة، والتمويل الصغير، والتنمية الريفية، والتخفيف من الكوارث، وإحياء المدن التاريخية.
وفي سوريا، نفّذت الشبكة العديد من المشاريع المهمة، من أبرزها:
-
التنمية الثقافية: قامت الشبكة بترميم عدد من المواقع التاريخية المهمة، مثل قلعة حلب، وقلعة مصياف، وقلعة صلاح الدين. وتهدف هذه المشاريع إلى حماية التراث الثقافي وتحفيز التنمية الاقتصادية من خلال تحسين البنية التحتية للمجتمعات المحلية.
-
المساعدات الإنسانية: في ظلّ الأزمة الإنسانية المستمرة، تعمل الشبكة على تقديم الدعم الغذائي والتغذوي للأسر المتضرّرة، بالتعاون مع منظمات مثل برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.
-
التمويل الصغير: أنشأت الشبكة مؤسسة التمويل الصغير الأولى في سوريا (FMFI-S)، والتي تقدّم خدمات مالية لدعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، مما يساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.
-
تحسين الإسكان: تعمل وكالة الآغا خان للإسكان (AKAH) على إدخال تقنيات بناء منخفضة الكربون في سوريا، مما يوفّر خيارات إسكان مستدامة وذات جودة عالية للأسر المتضرّرة.
عن الإمام رحيم ووالده الراحل
تولّى الأمير رحيم الآغا خان الخامس زعامة الطائفة الإسماعيلية الشيعية بعد وفاة والده، الأمير كريم الآغا خان الرابع، في 4 شباط 2025. وكان الأخير قد قاد الجماعة الإسماعيلية لما يقارب سبعة عقود، وأسّس خلالها شبكة AKDN، التي أطلقت العديد من المشاريع التنموية في جميع أنحاء العالم.
خلال قيادته، شدّد الآغا خان الرابع على أهمية تحسين نوعية الحياة، وتعزيز التعليم، وحماية التراث الثقافي. أما الأمير رحيم الآغا خان الخامس، المولود عام 1971، فقد كان نشطاً في إدارة أعمال AKDN، حيث ركّز على التنمية الاقتصادية، والقضايا البيئية، والحدّ من الفقر. ويأتي التعهّد الأخير لدعم سوريا امتداداً لإرث والده الإنساني والتنموي.
اقرأ أيضاً: ماذا تكشف تصريحات أولمرت الأخيرة للحوار مع الشرع؟!
في الختام
يمثل التعهّد بمبلغ 100 مليون يورو من قبل الأمير رحيم الآغا خان الخامس خطوة بارزة في دعم تعافي سوريا وتعزيز جهود التنمية فيها. ومن خلال المشاريع المتعددة التي تنفّذها شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN)، بما في ذلك ترميم المواقع التاريخية، وتقديم المساعدات الإنسانية، ودعم التمويل الصغير في الريف والمدن، وتحسين الإسكان، تهدف الإمامة الإسماعيلية إلى مساعدة الشعب السوري عامة في إعادة بناء مجتمعاتهم وتحسين مستوى معيشتهم.
لكن في بلد لا تزال تعقيداته السياسية والأمنية قائمة، يبقى السؤال: هل يمكن لهذه الجهود أن تحقق أثراً ملموساً وسط المشهد السوري المتغير؟ إن مستقبل هذه المبادرات سيعتمد بشكل كبير على قدرة السلطات في سورية على تحقيق الاستقرار، وفتح المجال أمام شراكات تنموية حقيقية، وضمان بيئة متسامحة تدعم إعادة الإعمار بعيداً عن الصراعات السياسية والعسكرية التي كبّلت البلاد لسنوات.
اقرأ أيضاً: الريف الأوسط في سوريا: أرض تقاوم الفناء