تعدّ الجزيرة السورية منطقة غنية بالموارد الزراعية، دعمت محاصيلها الاستراتيجية مثل القمح والشعير والقطن الاقتصاد لعقود، ولكن المشهد الزراعي في الجزيرة تغير في السنوات الأخيرة، بسبب موجات الجفاف المتتالية التي باتت تهدد القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، وفي هذا المقال، سنسلط الضوء على تأثير الجفاف على الزراعة في الحسكة، إحدى محافظات الجزيرة السورية، والتحديات التي تواجه سكان المنطقة بسبب ذلك.
أراضي الحسكة الزراعية تحتضر عطشاً
تواجه محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، أزمة حادة نتيجة سنوات متتالية من الجفاف، ما يؤثر سلباً على القطاعات الزراعية والحيوانية والبيئية، ويهدد معيشة المزارعين ومربي المواشي في المنطقة.
فقد اضطر العديد من المزارعين إلى ترك أراضيهم أو تقليص المساحات المزروعة، ولجأ بعضهم إلى زراعات ثانوية قصيرة الدورة وبتكلفة أقل، كما اضطر مربو الماشية إلى تقليل أعداد الأغنام والأبقار بسبب نقص المراعي، ودفعت هذه التغيرات الكثير من المزارعين إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
وبحسب إحصائيات “مديرية الزراعة” في المنطقة، فقد خرج نحو 270,857 هكتاراً من الأراضي عن الزراعة بين عامي 2010 و2024، خاصةً في مساحات القمح والشعير المروية، كما تراجعت زراعة القطن وانخفضت المساحة المزروعة من 51,000 هكتار إلى 4,775 هكتاراً فقط.
اقرأ أيضاً: مزارعو طرطوس في دوامة الأزمات: بين ارتفاع الأسعار والطقس القاسي
ويتكبد المزارعون خسائر كبيرة تصل إلى ملايين الليرات السورية جراء الجفاف المستمر، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون على مياه الأمطار لري أراضيهم، ويعيشون واقعاً مريراً في مواجهة التحديات التي فرضتها الطبيعة، إذ تتفاقم خسائرهم المالية مع استمرار موجات الجفاف.
ولم يسلم محصول السقي من التأثيرات السلبية لشح الأمطار، لأن الأمر امتد ليطال المساحات المروية التي تعتمد على مياه الأنهار والآبار الارتوازية، فغياب الأمطار شكل عبئاً إضافياً على المزارعين الذين اضطروا إلى تشغيل مضخات الري لساعات أطول، وهذا أدى إلى استهلاك أكبر للوقود ما زاد من تكاليف الإنتاج.
اقرأ أيضاً: القمح السوري.. من الاكتفاء الذاتي إلى التدهور القياسي
حين يصبح القطيع عبئاً ثقيلاً
ومع تلاشي الآمال من الأراضي الزراعية ومحاصيلها هذا الموسم، وجد بعض المزارعون أنفسهم أمام خيار لا مفر منه، وهو تأجير أراضيهم لمربي الأغنام، لكي يقللوا خسائرهم على الأقل عبر تحويل الحقول الجرداء إلى مراعي مؤقتة.
وتتفاوت أسعار تأجير الدونم الواحد بين 15 ألفاً و50 ألف ليرة سورية، بحسب حالة المحصول المتبقي في الأرض، إن وجد.
رغم ذلك، فإن حظ مربي الأغنام ليس أفضل، إذ تأتي خسائرهم مضاعفة، فمنهم من استثمر في زراعة الشعير بهدف تأمين الأعلاف، وخطط لتخزينه مع التبن لتجنب شرائه بأسعار مرتفعة لاحقاً، إلا أن قسوة الموسم قضت على تلك الحسابات، فلم تنبت الأرض ما يكفي لإطعام القطيع، واضطروا الآن لشراء الأعلاف من التجار بأسعار باهظة.
دفعت هذه الكارثة الحقيقية العديد من مربي الأغنام إلى التخلي عن مهنتهم والهجرة بحثاً عن مصدر رزق آخر، واضطر الكثير منهم إلى بيع جزء كبير من أغنامهم لتخفيف أعباء إطعامها.
ومع تقلص المراعي الطبيعية ازداد التصحر، وامتدت الكثبان الرملية في مناطق كانت يوماً ما خضراء، ليصبح الحفاظ على القطيع عبئاً ثقيلاً لا يقدر الجميع على حمله.
اقرأ أيضاً: جمع الكمأة: مغامرة قد تودي بحياتك أو تمنحك ثروة!
سوريا العطشى!
الجفاف الذي يضرب سوريا اليوم ليس حدثاً استثنائياً، فقد شهدت البلاد أزمة مماثلة في عامي 2006-2007، حين أدى نضوب المياه الجوفية إلى انهيار الزراعة في شمال شرق البلاد، ونفوق المواشي وانتشار الفقر، ما دفع الكثيرين إلى هجرة الأرياف نحو المدن.
آنذاك، حاولت الحكومة احتواء الكارثة عبر سن قانون يفرض تراخيص لحفر الآبار، لكنه بقي حبراً على ورق، وقد ألقي اللوم على المزارعين لاستهلاكهم المفرط للمياه الجوفية ما ساهم في جفاف نهر الخابور!
في المقابل، شهد عام 2019 فيضانات في الحسكة بسبب الأمطار الغزيرة وسوء نظام الصرف الصحي، ما تسبب في ارتفاع منسوب سد الخابور وتضرر الأراضي والمنازل القريبة، لكن بعد ثلاث سنوات فقط، اختفت مياه النهر مدداً تحت وطأة الجفاف وندرة الأمطار والحفر العشوائي للآبار خاصة في الجانب التركي.
اقرأ أيضاً: الزيتون السوري.. من الاكتفاء إلى الانهيار
وقد تأثرت سوريا أيضاً، منذ الأشهر الأخيرة من عام 2020 بموجة جفاف اعتبرت الأسوأ منذ 70 عاماً، لا سيما صيف 2021 الأكثر سخونة في العالم.
وخلال موجة الجفاف تحولت غالبية أراضي الجزيرة الزراعية التي تبلغ مساحتها حوالي 41% من مساحة سورية، لأراضٍ جافة ما أثّر سلباً على الغطاء النباتي من جهة، والمحاصيل الزراعية الاستراتيجية خاصة القمح والشعير، التي تعتمد بشكل أساسي على الأمطار، وانخفض الإنتاج الزراعي في سوريا لأكثر من 80% في عام 2022 مقارنة بعام 2020، وهو آخر محصول قبل بداية الجفاف الحالي.
ووفق المؤشر العالمي لمخاطر الصراع لعام 2022، أصبحت سوريا تعدّ أكثر بلد معرض للجفاف في منطقة البحر المتوسط، فيما تحذر الأمم المتحدة من أن موجات الجفاف ستزداد قسوة، ما يجعل تأمين المياه الصالحة للشرب تحدياً متزايداً لملايين السوريين.
واليوم، في أرضٍ محسودة بغناها بالمياه، أصبح المزارعون يبحثون عنها وكأنها كنز مفقود، يحفرون الآبار أعمق، فلا يلاقيهم إلا التراب، بينما تثقب جيوبهم التكاليف الباهظة، ويظل السؤال يدوي بغصة: كيف يمكن أن تلهث الأرض من العطش، وهي ترقد فوق أنهار كانت يوماً شريان الحياة؟!
اقرأ أيضاً: البيوت البلاستيكية.. ثروة مهملة في سوريا!