يُعتبر مسلسل «معاوية»، الذي يتمّ عرضه في رمضان 2025، من أكثر الإنتاجات الدرامية العربية طموحاً وإثارة للجدل. المسلسل الذي تكلف إنتاجه أكثر من 100 مليون دولار هو محاولة لإعادة تجسيد فترة حساسة في التاريخ الإسلامي، وهي الفتنة الكبرى التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان، والصراع الذي دار بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. هذا النوع من الدراما يُعد مخاطرة كبيرة لأي صانع محتوى، نظراً لحساسية الموضوع وتشعب الروايات التاريخية حوله، لكنّه في الوقت ذاته يحمل ترويجه معه بسبب الجدل الدائر حوله.
فهل نجح المسلسل في تحقيق التوازن بين متطلبات الدراما وقواعد السرد التاريخي؟ وهل استطاع تقديم شخصياته بعمق، أم اكتفى بالسرد السطحي؟
السياق التاريخي والسرد الدرامي
يستند المسلسل إلى واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في التاريخ الإسلامي، حيث ينقسم المسلمون إلى فرق متنازعة بعد مقتل عثمان بن عفان، وتبدأ مرحلة من الفتن والحروب التي تنتهي بانتصار معاوية وتأسيس ما بات يُعرف فيما بعد باسم الدولة الأموية. لكنّ المسلسل لم يلتزم بسرديّة تاريخية واحدة، بل حاول انتقاء أحداث محددة دون تقديم رؤية تحليلية واضحة لمجريات الصراع، وهو الأمر الذي عدّه كثيرون طعناً في التاريخ، بينما تقبّله آخرون بأنّه “شرّ لا بدّ منه” حين التطرّق لهكذا أحداث في الدراما.
لكن في الحقيقة، الإشكالية الكبرى هنا ليست فقط في انتقاء الأحداث، بل في كيفية عرضها درامياً. إذ يُلاحظ أن السيناريو تعامل مع الشخصيات بشكل تقليدي، فجاء معاوية تقياً وبارعاً في السياسة، بينما ظهر علي بن أبي طالب – الخليفة وماقبلها – كشخصية مثالية تفتقر إلى الأبعاد النفسية العميقة، بل وفيها بعض الضعف. إنّ هذا ما يخالف حتّى أكثر كتابات المؤرخين المعتدلين، أمثال طه حسين، الذي قال في كتابه: “الفتنة الكبرى – عليّ وبنوه“: «كان عليّ يدبِّر خلافة وكان معاوية يدير ملكًا، وكان عصر الخلافة قد انقضى وعصر الملك قد أظلّ».
وإذا ما أردنا الخروج من قفص السردية التاريخية ودقتها، فعلينا إذاً المقارنة بين بناء الشخصيات في مسلسل “معاوية”، وتلك الموجودة في المسلسلات التاريخية الأخرى. مثل المسلسل الشهير Rome الذي تناول الصراع السياسي في الإمبراطورية الرومانية. عند عقد المقارنة بين شخصيات المسلسلين، من ناحية كونهم شخصيات تاريخية تلعب دوراً في الدراما التاريخية، نكتشف غياب التعقيد النفسي الذي تحتاجه الشخصيات، وهو أمر كان من الممكن أن يُثري التجربة الدرامية بدلاً من تقديم سردية سطحية.
ربّما لا يمكننا أن نطلب من عمل درامي ليس وثائقي أن يضع نفسه في «بوز مدفع» الجدل التاريخي-الديني، لكن يمكننا أن نطلب منه القيام ببعض الاستدلال التاريخي، وعدم وضع أصنام تاريخية، بل بثّ الحياة فيها حتّى يأخذ شكلها وتطورها وقعه الذي يجب أن يدخل نفوسنا.
الإنتاج والإخراج.. هل البذخ الإنتاجي يكفي؟
رُصدت للعمل ميزانية ضخمة جعلته واحداً من أغلى الإنتاجات العربية. صُوّرت مشاهد المسلسل في تونس والمغرب وتركيا، وتمت الاستعانة بمواقع تاريخية لتوفير بيئة بصرية قريبة من أجواء القرن السابع الميلادي. هذا الأمر قد انعكس على مستوى الإخراج والسعة الفنية للمسلسل دون أدنى شك.
لكن على المستوى البصري، اهتم المخرج بتقديم لوحات سينمائية فخمة، لكن التصوير لم يخلُ من بعض المشكلات، مثل المبالغة في استخدام الإضاءة الخافتة في المشاهد الداخلية، مما جعل بعضها يبدو مظلماً أكثر مما ينبغي. كما أن استخدام المؤثرات البصرية في مشاهد المعارك جاء أقل إبهاراً مما كان متوقعاً، خاصة عند مقارنته بأعمال عالمية مثل Game of Thrones، الذي استطاع بميزانية مشابهة خلق مشاهد معارك مبهرة بصرياً.
اقرأ أيضاً: فارس الذهبي: هل هنالك صناعة دراما سورية؟
الأداء التمثيلي.. تباين واضح في جودة الأداء
يضمّ المسلسل طاقماً تمثيلياً متنوعاً، لكن الأداء تفاوت بين الممثلين بشكل ملحوظ.
- لجين إسماعيل في دور معاوية بن أبي سفيان: قدّم أداءً مقبولاً، لكنه افتقر إلى الكاريزما التي تتطلبها شخصية سياسية بوزن معاوية. لم يُظهر الكثير من التناقضات الداخلية التي كانت ستجعل الشخصية أكثر عمقاً، وتبرر وتفسر لنا التحوّلات التي عاشها البطل حتّى وصوله إلى ما وصل إليه.
- إياد نصار في دور علي بن أبي طالب: حاول تجسيد شخصية الإمام علي بوقارها المعروف، لكن السيناريو لم يمنحه مساحة كافية لاستكشاف صراعه النفسي، مما جعل الشخصية تبدو أحياناً مثالية بشكل مفرط، بل وضعيفة في بعض الأحيان، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يُقال عن عليّ أول فتى في الإسلام، وقاتل عمرٍ بن عبد ود العامري، جبّار العرب، في الخندق.
- وائل شرف في دور عمرو بن العاص: ربما كان أداؤه الأفضل في المسلسل، إذ نجح في تقديم شخصية السياسي الذكي الذي يتحرك بين المعسكرات بمرونة ومهارة، لكن رغم ذلك، وبسبب القيود العقائدية الموضوعة على الشخصيات، لم يُسمح للممثل بالتعبير عن نفسه.
- أيمن زيدان في دور الخليفة عثمان بن عفّان: في الحقيقة، تمكّن الفنان الكبير من تجسيد الشخصية، بوقارها، وحِلمها. ولكن ربّما المشهد الأجمل هو حين تحوّل عثمان عن هذا الحِلم أثناء وجوده في مسجد رسول الله – عليه الصلاة والسلام – وهو يتحدّث مع المتمردين الذين جاؤوه من الأمصار.
الحوار والسيناريو.. نقاط الضعف الكبرى
أحد أكبر إخفاقات المسلسل كان في نصوص الحوارات، التي جاءت سطحية في كثير من الأحيان ولم ترقَ لتعكس ذكاء المتحاورين، ومكرهم، وقدراتهم البلاغية. حتّى عليّ ببلاغته المشهود فيها، لم يظهر كما ينبغي أن يظهر إلّا في لقطة عابرة. كان هناك تركيز زائد على الخطابات المباشرة، مما أفقد المشاهد شعور التوتر والتعقيد الذي ميّز تلك الفترة.
في الأعمال العالمية الناجحة، يتم استخدام الحوار لنقل الأبعاد النفسية للشخصيات، وليس فقط لسرد المعلومات. على سبيل المثال، في مسلسل The Crown، يتم توظيف الحوار لنقل الصراعات الداخلية العميقة لشخصياته، وهو ما غاب عن «معاوية».
التاريخ والدراما.. أين تكمن المشكلة؟
أي عمل درامي تاريخي يقع بين خيارين: الالتزام الحرفي بالتاريخ أو إعادة خلقه بطريقة درامية مشوقة. في حالة «معاوية»، حاول صُنّاع المسلسل المزج بين الخيارين، لكن النتيجة جاءت مرتبكة.
على سبيل المثال، تم تقديم شخصيات مثل الحسن والحسين بشكل محدود، دون توضيح دورهما الحقيقي في السياق التاريخي. كذلك، لم يتعمق المسلسل في كيفية تحول الصراع من خلاف سياسي إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما كان يمكن أن يضيف بُعداً درامياً أقوى للعمل.
اقرأ أيضاً: مسلسل قيصر خارج السباق الرمضاني بسبب غضب شعبي
ردود الفعل والانتقادات
أثار المسلسل موجة واسعة من الجدل، خاصة في الأوساط الدينية والسياسية.
- الأزهر الشريف في مصر أصدر بياناً سابقاً يرفض فيه تجسيد شخصيات الصحابة في الأعمال الدرامية، وهو ما ينسحب على المسلسل.
- الجمهور العربي انقسم بين مؤيد يرى في العمل محاولة جريئة لكسر المحظورات التاريخية، ومعارض يرى أنه أعاد إنتاج السرديات التقليدية دون أي ابتكار.
- الكثير من النقاد وصفوا المسلسل بأنه «إنتاج ضخم بقيمة فنية محدودة».
- انتقد الكثير من الإعلاميين المسلسل، أمثال الإعلامي أحمد الطاهري الذي اعتبر المسلسل سقطة تاريخية.
عمل ضخم لكنه لم يحقق التأثير المطلوب
في النهاية، «معاوية» هو محاولة جريئة لكنه لم يصل إلى مستوى الأعمال التاريخية العظيمة. لم يُترجم إنتاجه الفخم إلى محتوى درامي متماسك، والشخصيات لم تُقدَّم بالعمق النفسي المطلوب. كان يمكن أن يكون هذا العمل نقطة تحوّل في الدراما التاريخية العربية، لكنه بقي أسير الحوارات التقليدية والصراعات السطحية. ولعل الدرس الأهم هنا هو أن البذخ الإنتاجي وحده لا يصنع عملاً عظيماً، بل الأساس الحقيقي هو السيناريو والدراما.
اقرأ أيضاً: صالة الحمدانية في حلب: من ينتزع الذكريات من تحت الأنقاض!