في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، فرّ الرئيس السوري السابق بشار الأسد البلاد إلى المنفى في روسيا، في خطوة فجائية أنهت صراعاً استمر 14 عاماً. وبدأت بعد ذلك مباشرة قوات المعارضة السورية، بغطاء دبلوماسي وسياسي من قوى خارجية، هجوماً واسعاً انطلق من إدلب شمال غرب البلاد، مروراً بحلب، وصولاً إلى العاصمة دمشق خلال 11 يوماً فقط.
وبالرغم من عشرات القرارات والجهود الأممية، فإن التغيير في سوريا لم يأتِ من الأمم المتحدة، بل «بسبب فشلها المتكرر» وفق كلام فريد من نوعه وجديد على الكشف صادر عن شخصية مهمة وكان لها منصب حساس.. فهل حقاً قرارات مجلس الأمن ليست بذات أهميّة وستبقى كذلك؟ أم أن المنصة ستغيّر من واقع الحال؟ إليكم التفاصيل!
أداء متراجع لمجلس الأمن
كشفت هاسميك إجيان Hasmik ejian المسؤولة السابقة في مكتب المبعوث الأممي إلى سوريا ومديرة إدارة شؤون مجلس الأمن أنه منذ عام 2011 حتى 2024، عقد مجلس الأمن الدولي ما يقارب 700 اجتماع حول الملف السوري، ثلاثة منها شهرياً، تتناول الأسلحة الكيميائية، والوضع الإنساني، والمسار السياسي. إلا أن معظم هذه الاجتماعات لم تسفر عن نتائج ملموسة على الأرض، وظلّ الانقسام بين الدول الخمس الدائمة العضوية العائق الأكبر أمام أي تقدم حسب ما تقول.
وفي مقال لها نشرته مؤخراً، قالت إجيان أنّ مجلس الأمن فشل في تبني 29 مشروع قرار مقابل 25 فقط تم اعتمادها، معظمها حول العمليات الإنسانية العابرة للحدود أو ملف الأسلحة الكيميائية، مع غياب شبه تام للتقدم في المسار السياسي.
جهود متعاقبة ومصير مشابه
تشرح إجيان: منذ بداية النزاع، توالى على الملف السوري عدة مبعوثين أمميين، أولهم كوفي عنان Kofi Annan الذي استقال عام 2012 بعد ستة أشهر فقط من تسلمه منصبه، نتيجة الانقسام الدولي الحاد حول مصير الأسد في المرحلة الانتقالية. تلاه الأخضر الإبراهيمي Lakhdar Brahimi بين عامي 2012 و2014، حيث قاد جولات مفاوضات في جنيف ومونترو، لكنها اصطدمت بجدار تعنت الأطراف، لتنتهي دون نتائج. ثم جاء ستافان دي ميستورا Staffan de Mistura في الفترة من 2014 إلى 2018، والذي أهدر أربع سنوات في مبادرات جزئية غير فعالة، مثل اقتراح تجميد القتال في أحد أحياء حلب.
وأخيراً غير بيدرسون Geir Pedersen، الذي «لم ينجح طوال ست سنوات من ولايته في إقناع الأطراف السورية بالاجتماع لصياغة دستور جديد وفق القرار الأممي 2254 الصادر عام 2015»، وفي إقرار ضمني بدوره المحدود، أعلن مكتبه في 3 شباط/فبراير 2025 أنه يكتفي حالياً بمتابعة التطورات السياسية عن كثب وإطلاع الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن عليها على حد قوهلها.
اقرأ أيضاً: العراق وسوريا: مجلس تنسيقي مشترك و«الحشد الشعبي» ينتشر على الحدود
انتقادات لدور الأمم المتحدة
تربط المسؤولة السابقة في مجلس الأمن حديثها السابق، بتصريح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 29 كانون الأول/ديسمبر 2024 حين قال: «لم تنجح الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في إطلاق سراح معتقل واحد أو إعادة لاجئ واحد»، مضيفاً أن الجهود الأممية «كانت تخدم النظام أكثر من الشعب».
وبالربط، تصل المديرة في شؤون مجلس الأمن إلى النتيجة التالية: رغم تحولات الواقع، استمر مجلس الأمن والمبعوث الأممي بيدرسون بترديد الدعوة ذاتها منذ عقد: «عملية سياسية شاملة بقيادة سورية وبرعاية الأمم المتحدة وفق القرار 2254»، ولكن «كأن شيئاً لم يتغير» حسب تعبيرها.
توافق دولي نادر
بعد مغادرة الأسد، أظهر مجلس الأمن مؤشرات على توافق جديد حسب الكاتبة. ففي 17 كانون الأول/ديسمبر، أصدر بياناً صحفياً دعا إلى تنفيذ عملية سياسية سورية شاملة بقيادة سورية وبملكية سورية، وأكد دعمه لجهود بيدرسون.
وشهدت دمشق حركة دبلوماسية نشطة، حيث زارها مسؤولون من الولايات المتحدة وأوروبا والمنطقة، فيما أجرى الشرع اتصالاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (Vladimir Putin) في 12 شباط/فبراير، والتقى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (António Guterres) في 4 آذار/مارس بالقاهرة.
وبعد أحداث الساحل، تتحدث هاسميك إجيان عن عقد مجلس الأمن جلسة طارئة مغلقة في 10 آذار/مارس بطلب من الولايات المتحدة وروسيا، تلاها بعد ذلك بأيام بيان رئاسي مشترك، وتطرح السؤال التالي: هل يُمكن للتحالف الوليد بين واشنطن وموسكو أن يُفضي إلى نتائج أفضل من الماضي؟
اقرا أيضاً: ماذا تضمن إعلان مجلس الأمن حول سوريا؟
نحو دور أممي جديد
من وجهة نظر إجيان، أصبح من الضروري الاعتراف بأن مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا قد فقد فعاليته، ويجب استبداله بمنصة جديدة تتولى الوساطة وتحظى بدعم مجلس الأمن.
لكن، ورغم فشل المسار السياسي الذي تتحدث عنه إجيان، لا يزال للأمم المتحدة دور مهم في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، خصوصاً في ملف إعادة الإعمار والتنمية، حيث تتمتع بقدرات وخبرة واسعة في هذا المجال، فيما يبقى السؤال عن اتجاه التطورات في البلاد مفتوحاً أمام صفحات الأيام.