تُثير مسألة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا تساؤلات عدة حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتداعياته على الأوضاع السياسية والأمنية. في شباط/فبراير 2025، كشفت مصادر أمريكية عن وجود خطط لسحب جميع القوات الأمريكية من سوريا، بعد أن أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump اهتماماً بذلك. وبحسب تقارير عدة نُشرت بعد ذلك، يعمل مسؤولو البنتاغون على وضع خطط للانسحاب الكامل خلال 30 إلى 90 يوماً..
في المقابل، كان قد أكد إيثان غولدريتش Ethan Goldrich، مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى والمسؤول عن الملف السوري، أن القوات الأمريكية ستظل في سوريا لمواصلة مهمتها في مكافحة تنظيم «داعش». وأشار إلى أن التركيز ينصب على منع ظهور «داعش» مجدداً، وأنه لا توجد خطط حالية للانسحاب.
التحديات المرتبطة بالانسحاب
للانسحاب الأمريكي من سوريا تحديات عدة، خاصة فيما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تعد الحليف الرئيسي لواشنطن في محاربة «داعش» داخل سوريا. وهنالك خشية لدى «قسد» من أن يؤدي الانسحاب إلى تقوية تنظيم «داعش» وزيادة التوترات مع تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية، المكون الأساسي لـ «قسد»؛ منظمة إرهابية.
اقرأ أيضاً: هل ستشهد سوريا صداماً تركياً – «إسرائيلياً» على أراضيها؟!
وكانت قد أفادت مصادر تركية بأن مسألة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا ووقف دعمها لـ «وحدات حماية الشعب الكردية»، نوقشت خلال المباحثات الأخيرة بين البلدين. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان hakan-fydan، على موقف أنقرة بضرورة أن تتولى الإدارة السورية مسؤولية تأمين السجون التي تضم آلافاً من عناصر «داعش» وعائلاتهم، والتي تتولى «قسد» حراستها حالياً.
وأبدى فيدان استعداد تركيا لدعم هذه العملية، خاصةً في ظل توقيع «قسد» اتفاقاً مع دمشق للانضمام إلى مؤسسات الدولة.
الانسحاب على جدول الأعمال ولكن؟
ضمن هذه المعطيات، يبدو واضحاً أن مسألة الانسحاب من سوريا على جدول أعمال واشنطن بصورة جدية، وما يثار حول القضية إن كان ضمن المؤسسات الأمريكية، أو بالنقاش مع تركيا -وغيرها ربما- يأتي ضمن هذا الإطار. فهو يعكس وجود رغبة أمريكية بالمضي بهذا الاتجاه، لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن الانسحاب سيكون سريعاً وضمن آجال زمنية محددة، خصوصاً أنه من غير المعلن حتى اللحظة عن جدول زمني واضح للانسحاب وشكله وآلياته، وفيما إذا كان هذا الانسحاب سيكون كامل وشامل، أم سيكون جزئي وعلى دفعات متتالية.
اقرا أيضاً: كاريكاتير: أمريكا والشرق الأوسط
من الضروري في هذا السياق، أن يشار إلى أن مسائل من هذا النوع تكون بالضرورة خاضعة لحسابات دولية وإقليمية ومحلية. وبالحديث عن الحسابات المحلية، فهي مرتبطة بحالتنا الملموسة بتطورات الأوضاع في سوريا ما بعد سقوط السلطة السياسية في البلاد، خصوصاً بعد الحديث عن شروط سُلّمت للإدارة الجديدة بخصوص رفع العقوبات عن البلاد، وهما أمران (الانسحاب ورفع العقوبات) مرتبطان ببعضهما بواقع الحال، لكون أن خطوة أمريكية من هذا النوع من غير المرجح أن تحصل دون الوصول إلى نوع ما من التفاهم والتوافق بين الإدارتين الأمريكية والسورية، تحديداً أن للأولى موقفها غير الداعم بشكل كلي وعلني لحكومة دمشق حتى اللحظة.
على هذا الأساس، فإن مسألة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، هي مسألة خاضعة لاعتبارات عديدة، ولحسابات سياسية وعسكرية ستقتضي بالضرورة تقييم أمريكا لوجودها العسكري في سوريا، مع مراعاة التحديات الأمنية والتزاماتها تجاه حلفائها في المنطقة، لتبقى الحقيقة فيما تخفيه قادمات أيّام سوريا…