كيف تقضي الأم السورية النازحة يومها في دمشق؟

الثلاثاء 4 أيار/مايو 2021

سوريا اليوم – دمشق

شكّلت النساء السوريات على مدار الأعوام الماضية، الشريحة الأوسع من مجمل أعداد النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، وذلك بعد أن انبرى معظم الرجال إلى جبهات القتال، في حين غُيّب عدد كبير منهم في أقبية ومعتقلات النظام، واضطرّ آخرون إلى السفر بسبب التهديد الأمني والحاجة المادّية.

ما أوجه المعاناة التي تعايشها النازحات في مناطق سيطرة الحكومة؟ وكيف يتعاملن مع المضايقات الأمنية المستمرّة التي يتعرّضن لها؟ وما الحلول المتوافرة في مواجهة الأزمات المعيشية والانتهاكات الحقوقية المتواصلة؟ هذه الأسئلة أجاب عليها تقرير مفصل من دمشق نشره موقع تلفزيون سوريا المعارض اليوم الثلاثاء.

تنظيف المنازل أو الموت جوعاً

“شعرت بأنّي فقدت وطني ساعة فقدت زوجي ومنزلي”، تقول إنعام (35 عاماً) لتلفزيون سوريا. وهي أمّ ونازحة سورية من مدينة دوما في الغوطة الشرقية إلى منطقة الدخّانية بدمشق.

أُجْبِرَتْ هذه السيّدة السورية، كحال الكثيرات، إلى الخلاص بأرواح أطفالها الستّة والهروب باتجاه العاصمة، على خلفية الحصار الذي فرضه نظام الأسد على مدن الغوطة الشرقية في آذار 2013،

وقدَّرت مفوّضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن أعداد النازحين في الداخل السوري تخطّت عتبة 7.6 ملايين شخص، نحو 50.7 بالمئة منهم من النساء، 55 بالمئة لم يتخطوا سن العاشرة.

 وأشارت المنظّمة أيضاً إلى أنّ أبرز الأسباب التي دفعت النساء إلى النزوح تتمثَّل باستهداف النظام المناطق المأهولة بالسكان بالبراميل المتفجرة، ووقوع الاشتباكات في المناطق المدنية، والتدمير الذي لحق بالمنازل والمدارس والمرافق العامّة.

لا تختلف هذه الأسباب عن تلك التي دفعت بإنعام للهروب إلى دمشق، تقول: “سكنت شهراً كاملاً في منزل مع أقربائي. حاولت البحث عن عمل غير أنّ عدم قدرتي على العمل بدوام كامل بمنأى عن أطفالي، الذين هم بحاجة إلى الرعاية المستمرّة، صَعَّب عليّ الأمر. لم أجد نهاية المطاف من حلّ سوى العمل في تعزيل البيوت حيث أستطيع اصطحاب طفلي الصغيرين معي”.

وشكّلت عدم كفاية ما تقدّمه المنظَّمات الإنسانية من مساعدات غذائية إلى جانب تنامي الفقر بين شرائح الشعب السوري نتيجة للانهيار المتسارع للاقتصاد مجموعة من الأسباب التي جعلت من النازحات، ومن بينهن إنعام، أكثر عرضةً للاستغلال وهنّ يكافحن في سبيل إطعام أطفالهن وعوائلهن.

تقول إنعام: “أتقاضى إزاء تعزيل المنزل الواحد ما بين 3500 ليرة سورية و5000 ليرة (1,5 إلى 2.2 دولار) فيكفي ذلك لإطعامنا وجبتين نعتمد عليهما في يومنا بعدَ توفير جزء من المبلغ لدفع إيجار المنزل آخر الشهر”، وتضيف: “لا أجرؤ على طلب زيادة في الأجر فقد يستبدلني أصحاب المنازل آنذاك بأخرى، وخسارتي لوظيفة تعني خطرَ قضائي وأطفالي أيّاماً بلا طعام”.

وتابعت: “قد لا نتمكَّن من تناول الطعام إذا لم تتصل بي إحدى السيّدات لتنظيف منزلها، وإن لم يردني اتصال أحاول أن أشتري بالدين من دكّان في الحيّ ما يسدّ رمقنا، وأحياناً يوافق صاحب الدكّان على ذلك وأحياناً لا”.

هكذا تحوّلت إنعام من أمّ وربّة منزل إلى عاملة بطريقة أشبه بالسُخرة منها بالعمل؛ حيث لا ضمانات ولا قدرة على المطالبة بالمستحقّات الحقيقية للجهود المبذولة، وهو تحوّل في حياة المرأة السورية أشارت له منظمّة “هيومن رايتس ووتش” حين اعتبرت أنّ “التهجير القسري وتدمير البنى التحتية في سوريا حوَّل المرأة من عنصر فعّال في المجتمع إلى ضحية؛ فقوّض من قدراتها الاقتصادية، وحدَّ من نشاطها الاجتماعي في كثير من الأحيان”.

الأمّ والأب .. دوران لمرأة واحدة

اضطرّتْ أمل (42 عاماً)، ربّة منزل وأمّ لأربعة أطفال، إلى النزوح في رحلة “مروّعة” من حيّ باب عمرو في حمص إلى دمشق منذ سبعة أعوام، غير أنّ معاناتها لم تنتهِ بالوصول إلى المنطقة الجديدة فسرعان ما وجدت نفسها في غرفةٍ لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر متراً مربّعاً برفقة أطفالها الأربعة.

 تقول أمل: “عندما يعرف السماسرة أنّكِ من برّا المنطقة (خارجها) بصير الإيجار ضعف وضعفين، وبصير لازم تدفعي تأمين وكومسيون وعشرين ألف ليرة (7.5 دولار) للموافقة الأمنيّة”.

حياة أمل في العاصمة تبدأ مع ساعات الصباح الأولى ولا تنتهي إلا مع ولوجها في ساعات الليل المتأخّرة إلى الفراش برفقة رضيعها مازن، وعن تلك الحياة تحدّثنا بالقول: “أستقيظ في السادسة صباحاً للفّ بعض لفّات الزعتر أو اللبنة، بحسب المتوفّر منهما، لربى (7 أعوام) ويمان (11 عاماً) لأصحبهما بعدها إلى المدرسة، ومن هناك إلى الفرن، حيث أقف لساعتين أو ثلاث لأحصل على ربطة خبز تكفينا يوماً واحداً فقط، ومنه إلى مشغل الخياطة حيث أعمل، وعند الظهيرة أعود لأعدَّ الغداء وأستقبل الأطفال وأطعمهم، وأعود بعد ذلك ثانيةً إلى المشغل، ولا أرجع إلى البيت إلا بحلول التاسعة مساءً”.

حين يأتي موعد تسلّم جرّة الغاز المخصّصة فهذا يعني أنّ العائلة بكاملها ستصبح في حالة استنفار، تقول أمل: “ترينني وأبنائي على درج البناء نتساعد على حمل الجرّة ونتناوب على رفعها بين الطوابق، فكلّ اثنين منّا يحملانها طابقاً حتّى تصل نهاية إلى الطابق السادس حيث غرفتنا. أمّا تركيب الجرّة فلا يتمّ بشكل صحيح إلّا بعد عدّة محاولات نقوم بها أنا ومحمّد أكبر أطفالي”.

أصبحت أمل تقوم بدوري الأم والأب معاً؛ فتعيل بذلك أطفالها الأربعة وتهتمّ بدراستهم وتلبّي احتياجاتهم العديدة إلى جانب عملها في مشغل الخياطة وتدبير المنزل؛ ضغط انعكس بدوره على صحّتها النفسية والجسمانية، إذ تعاني أمل اليوم من فقر دمّ حاد بسبب فقدانها الشهية منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام.

وبحسب بحث أُعدّ بتكليف من المفوّضية السامية لشؤون اللاجئين تحت عنوان “الثقافة والسياق والصحّة العقلية لدى السوريين” فإنّ ضروباً من المعاناة النفسية التي يعكسها شغف العيش يمكن أن تسبّب أمراضاً أخرى أكثر خطورة، كالذي تعاني منه أمل، وهي ضروبٌ تمتدّ لتشمل شريحة واسعة من النازحين في الداخل والخارج السوري.

ويشير البحث أيضاً إلى أنّ الإحباط والخوف والحزن وفقدان السيطرة، إلى جانب المشكلات الصحية المتمثّلة بالتعب ومشكلات النوم والشكاوى الجسدية، أصبحت قضايا شائعة لدى النازحين السوريين كنتيجة لأعمال العنف والتهجير والظروف الصعبة التي يعيشونها.

النازحات على الحواجز الأمنية.. الابتزاز على الهوية

عملت نجلاء (40 عاماً) كمدرسة في أحد مدارس مدينة داريا في دمشق، لكن اندلاع الثورة اضطرّها إلى التخلّي عن مهنة التدريس بعد أن دمرت البنية التحتية لمدينتها، والتوجّه إلى العمل في الإغاثة والأنشطة الإنسانية لخدمة سكان مدينتها الذين لاقوا ما لاقوا من جرّاء خروجهم في وجه نظام الأسد.

تقول نجلاء: “عملت على رعاية الأطفال المتضرّرين، وتعلّمت كيفية إسعاف الجرحى والمرضى، وساهمت في توزيع المساعدات وفي تهريبها من قلب العاصمة إلى منطقتنا التي شهد سكانها نقصاً كبيراً في المنتجات الغذائية والدوائية خلال مرحلة معيّنة من مراحل الثورة”.

شهدت منطقة داريا بريف دمشق، في أيلول 2016، موجة نزوحٍ نتيجةً للقصف المتكرّر للنظام على المدينة، وكانت نجلاء، برفقة طفليها ووالدتها المسنّة، من بين الأهالي الذين نزحوا إلى منطقة دويلعة في دمشق، وحين لم يُسْمَح لها بالعمل كمدرّسة في المدارس الرسمية بحجِّة أنشطتها المدنية والإغاثية خلال الثورة -يتذرّعون بنقص الأوراق مرّة وبعدم صحّتها مرّات أخرى- وجدت نفسها مجبرة على البحث عن عمل بديل.

وتتابع: “كنت مضطرّة لتدبّر شؤوني وشؤون أطفالي وأمّي المسنّة، لكنّني لم أجد عملاً في المدارس الخاصّة ولا في حضانات الأطفال، ولهذا السبب أعمل اليوم كمدرّسة خصوصية لتدبّر أمورنا المادية”.

وعلى الرغم من اقتصار مشاركتها في الثورة السورية على الأنشطة المدنية والإغاثية، فإنّ نجلاء كغيرها من النازحات تتعرّض لمضايقات عدّة من الجهات الأمنية في دمشق، بسبب اسم عائلتها وقيد نفوسها.

تُوّقف نجلاء كلما مرّت على حاجز أو على نقطة تفتيش أمنية، تقول لموقع تلفزيون سوريا: “كثيراً ما يطرحون عليّ الأسئلة نفسها: أين تسكنين؟ أين إخوتك؟ أين زوجك؟ ماذا تشتغلين؟ هل لديك اتصال بأقاربك من النازحين في دول الجوار؟”.

وتضيف: “في إحدى المرّات أبقاني المجنَّد واقفة لثلاث ساعات متواصلة قبل أن يطرح عليّ السؤال المعهود ويطلب تفتيش هاتفي الخلوي الذي أحرص على تنظيفه من كلّ ما يثير الشك والريبة قبل الخروج من المنزل، ولما لم يجد شيئاً، بدا خائباً وكأنّه كان أمام فريسة محتملة استطاعت الهروب قبل أن ينقضّ عليها”.

استدعيت نجلاء إلى الفروع الأمنية مرّات عدّة؛ حيث تمّ استجوابها في عدد من القضايا كصلتها بمجموعات “إرهابية” وعملها السابق في مجالي الإغاثة الإنسانية والطبّية، ونتيجة لعدم قدرة المستَجْوِبِيْنَ من ضباط ومحقّقين إثبات أيّ من تهمهم على نجلاء، التي كانت تنكر بثبات كلّ ما يوجّه إليها من تهمٍ، تخرج المرأة الأربعينية منتصرةً وتتابع كفاحها في إعالة أسرتها الصغيرة.    

وتشير لجنة التحقيق الدولية الخاصّة بسوريا إلى أنّ “القوات الحكومية السورية” تعتمد في “عملها” على هذه الممارسات المتمثّلة في مضايقة النسوة وتوقيفهن واحتجازهن كرهائن للضغط على أقاربهنَ المطلوبين ليسلّموا أنفسهم.

في حين يؤكّد مجلس الأمن أنّ السوريات تتعرّضن لأشكال مختلفة من الانتهاكات والعنف القائم على النوع الاجتماعي من قبل الجهات الحكومية، بينما تكشف لجنة الإنقاذ الدولية عن توقيف النسوة وتعذيبهن واغتصابهن أحياناً، مؤكّدةً على أنّ الجهات الحكومية كانت في الغالب هي المسؤولة عن هذه الانتهاكات الحاصلة على نقاط التفتيش وفي مراكز الاعتقال.