ممدوح حمادة: الإمّعية

الأربعاء 26 أيار/مايو 2021

أنا ذاهب لممارسة حقّي الديمقراطي .. يبصقها الإمّعة في وجهك، وكأنه يعيب عليك عدم رغبتك بممارسة حقك في الديمقراطية. أما هذا الحق الديمقراطي الذي يذهب هذا الشخص لممارسته فهو حق الاختيار، الاختيار بين أن تتلقى الصفعة على خدّك الأيمن أو الأيسر. أو خيارات أخرى من هذا القبيل، أهمها اختيارك مرشّحك الذي لا يوجد مرشّحون غيره في هذه الانتخابات التي كانت تسمّى استفتاءات، وما زال يمكننا أن نسميها كذلك، على الرغم من أنها أصبحت تضم مرشّحين، يمكن أن نسميهم مرشّحي رفع العتب أو مرشّحي حفظ ماء الوجه أو أي شيء يشبه ذلك، ليس لديهم أدنى قدرة على المنافسة في هذا العرس الديمقراطي حامي الوطيس.

تبدأ ممارسة الإمّعة حقّه الديمقراطي قبل العرس بأيام، وهو ما يطلقون عليه في بعض البلدان “التعليلة”، حيث تعقد الدبكات ويصدح الطبل والزمر، ويتحوّل الإمّعة إلى بهلوان، لا يضاهيه بهلوانات السيرك، مع احترامنا لهؤلاء، لأنهم يرسمون الابتسامات على وجوه الأطفال، على أقل تقدير، ولا يجعلون من في رأسه عقل يُصاب بالجلطة، كدبّيكة الديمقراطية هؤلاء. سأموت وفي نفسي فضولٌ لمعرفة الشيء الذي يدفع الإمّعة إلى القفز في الساحات والصراخ في حلقات الدبكة الديمقراطية المعقودة فيها على شكل زغاريد تثقب الأذن غير الديمقراطية. لو كان موقف مرشّحهم ضعيفا، لقلنا إنهم يمارسون الدعاية لمرشّحهم لكي ينتصر على المرشّحين الآخرين، ولكن الأمر ليس كذلك، فالمرشّحون الآخرون لا يملكون أدنى حظ في الفوز وليس لهم أي وزن في المنافسة، فقد تبرّعوا للدخول في المعركة الانتخابية مبرّرا لتسمية هذا الأمر “انتخابات”. ولم يفعلوا ذلك لكي ينافسوا، فلماذا الإمعان في إذلالهم إلى هذه الدرجة؟ يُساق الموظفون والطلاب إلى ساحات العرس، حيث يبدع الإمّعات في الدبكة من أجل مرشّح واحد، فلماذا لا يسوق مدير ما موظفيه أو طلابه إلى الرقص لأحد المرشّحين الآخرين، إمعانا في الديمقراطية؟ آلاف الإمّعات يرقصون لهذا المرشّح، فلماذا لا تتبرّع الدولة بعدد من الإمعات للقفز في احتفالات المرشّحين التعساء؟

جبرا لخاطر هؤلاء المساكين، قد يعتقد بعض الناس أن الإمّعة يفعل ذلك اتّقاء لأذىً قد يلحق به. ولكن الأمر ليس كذلك، حيث يكفي أن تغلق فمك لكي لا يلحق بك أذى. من هذا المنطلق، يمكن الاعتقاد بأن الإمّعة يريد من الإمعان في ممارسة حقه الديمقراطي، عبر الرقص والزغاريد، الحصول على مكاسب ما، وهذا أيضا غير صحيح. فإذا استثنينا الراقصين من فئة وزير أو نائب في البرلمان أو مدير، فإن غالبية الإمّعات من المسحوقين أكثر ما يمكنهم الحصول عليه أن تشاء المصادفات فيجلسون على مائدة مسؤول ما، أو يلتقطون صورةً معه، أو يظهرون في نشرات الأخبار على شاشة التلفزيون، وأحيانا يحظون بفرصة الكلام، حين يسالهم المذيع عن موقفهم. في إحدى هذه النشرات، تسال المذيعة: “ما الذي تطلبه من مرشّحك؟”، فيجيبها الدبّيك الديمقراطي: “أنا لا أطلب منه، هو الذي يطلب مني”. .. يا لك من مواطن رائع، يا هذا، أي مرشح في البلدان الأخرى التي فيها انتخابات حقيقية يحلم بمثلك، ولكن في الحقيقة أنه لا توجد نماذج مثلك في البلدان التي فيها انتخابات حقيقية.

لا يولد الإمّعة إمّعة، ولم يكن حلمه في الصغر أن يصبح إمّعة. لقد أصبح كذلك بفعل تدجين مجتمع كامل. أعرف شخصا كان معي في المدرسة كان حلمه في الصف الأول أن يصبح رائد فضاء، وآخر كان يريد أن يصبح غيفارا. سألناه وقتها عن هذه المهنة، فقال إنه سيسأل والده. لم يسأل والده، ولم نعرف ما معنى غيفارا إلا في الإعدادية. ولكن رائد الفضاء وغيفارا أصبحا إمّعتين، ولا يخلو عرس ديمقراطي من حضورهما، ولا يقبل واحدهما إلا أن يكون الأول في دبكات الديمقراطية. هذه الإمعية تتجذّر بأصحابها، وينقلونها إلى أبنائهم على الغالب بالوراثة، وأسوأ أنواع الإمّعات هو مرشّح رفع العتب بكل تأكيد.

يا تُرى، ما الذي ستفعله هذه الشريحة في حال حصل تغير في المجتمع، لم يعد فيه حاجة للإمّعات؟

المصدر: العربي الجديد

  • ممدوح حمادة كاتب سوري