“المسودة الروسية” للدستور تطفو إلى السطح مجدداً مع إعادة انتخاب الأسد

الخميس 27 أيار/مايو 2021

سوريا اليوم – متابعات

مع إعادة انتخاب الرئيس السوري بشار الأسد لولاية رئاسية جديدة، هي الثانية بموجب دستور 2012، والرابعة منذ وصوله إلى السلطة عام 2000، طرح تقرير تساؤلاً ما إذا كان الرئيس السوري سيقبل “مسودة روسية” دستورية اقترحتها موسكو في عام 2016 فوزه بالانتخابات.

وتساءل إبراهيم حميدي المحرر في صحيفة الشرق الأوسط: عندما قدمت روسيا مسوّدتها للدستور السوري في بداية عام 2016، وعندما استضافت عقد «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي في بداية 2018، وعندما دفعت لتشكيل لجنة دستورية من الحكومة والمعارضة في منتصف 2019، هل كانت تمهد للوصول في نهاية 2020 إلى القول بأن لا علاقة بين مساري الإصلاح الدستوري والانتخابات الرئاسية في 2021؟ هل يعيد تثبيت مناطق النفوذ الثلاث وانتخاب الرئيس بشار الأسد إحياء «المسوّدة الروسية» للدستور السوري؟ ما هي الصلاحيات الرئاسية التي يجري النقاش حولها في إطار «المحاصصة»؟

بيان ودستور

ويقول حميدي: شهد عام 2012 أمرين: الأول، «بيان جنيف» الذي نص على تشكيل «هيئة حكم انتقالية من ممثلي النظام والمعارضة بصلاحيات تنفيذية كاملة»، والثاني، استفتاء على دستور تضمن تعزيزاً للنظام الرئاسي السوري وتعزيزاً لصلاحيات رئيس الجمهورية.

ومنذ التدخل العسكري الروسي نهاية 2015، تسارع تغيير موقف واشنطن إزاء دور الرئيس الأسد، من القول إن «عليه التنحي الآن» وعدم مشاركته في «هيئة الحكم» في 2012، إلى قبول الانتقال السياسي «بعيداً من الأسد»، وصولاً إلى إعلان وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري في 2016 التخلي عن «تغيير النظام» والحديث عن «سوريا المستقبلية من دون الأسد»، وانتهاء بقبول كيري موقف نظيره الروسي سيرغي لافروف بإعطاء الأولوية للدستور على حساب «الهيئة الانتقالية».

وبعد صدور القرار 2254 في نهاية 2015، اتفق الجانبان الأميركي والروسي على بدء العمل لتنفيذ القرار الدولي، الذي نص على تشكيل «حكم تمثيلي غير طائفي يصوغ دستوراً جديداً ويمهد لانتخابات»، من دون تحديد ما إذا كانت رئاسية أو برلمانية، خلال 18 شهراً. وتبين أن البدء بعملية انتقالية بموجب «بيان جنيف» لنقل بعض الصلاحيات من رئيس الجمهورية إلى رئيس الهيئة الانتقالية «يعني تعديل 23 مادة في دستور عام 2012».

صلاحيات واسعة

ويوضححميدي صلاحيات رئيس الجمهورية الواردة في دستور 2012 وهي:

– تقاسم الصلاحيات التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

– يعين الرئيس رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه، بما في ذلك الوزراء.

– يضع السياسات العامة للدولة وتنفيذها.

– يحق عقد الاجتماعات مع مجلس الوزراء وطلب تقديم التقارير.

– يوقع على القوانين التي يقرها البرلمان.

– يصدر القوانين والقرارات والأحكام.

– يعلن حالة الطوارئ.

– يتمتع رئيس الجمهورية بالسلطة المطلقة على القوات المسلحة، باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

– يحق للرئيس حل مجلس الشعب (البرلمان) «بقرار معلل يصدر عنه».

– يتولى مهمات السلطة التشريعية في حالة عدم انعقاد البرلمان أو «في حالة الضرورة المطلقة».

– يحق اتخاذ «إجراءات سريعة» عند مواجهة الدولة خطراً كبيراً.

– يحق له «إنشاء الهيئات، والمجالس، واللجان الخاصة».

– يحق له إجراء استفتاءات حول القضايا المهمة.

– رئيس الوزراء ونوابه والوزراء مسؤولون أمام الرئيس.

– للرئيس الحق في إحالة رئيس الوزراء ونوابه والوزراء على المحاكم في حالة ارتكابهم جرائم جنائية.

– يتم اعتبار مجلس الوزراء مقالاً عند انتهاء ولاية الرئيس.

– يضمن الرئيس استقلال السلطة القضائية بمساعدة مجلس القضاء الأعلى.

– يدير الرئيس مجلس القضاء الأعلى.

– يدير الرئيس المحكمة الدستورية العليا.

– لا يحق للمحكمة الدستورية مراجعة القوانين التي يقرها الرئيس بعد عرضها على استفتاء والموافقة عليها.

المسودة الروسية

ويششير حميدي إلى أنه في مارس (آذار) 2016، جرى تقديم مسوّدة «الدستور الروسي»، وتقع في 24 صفحة و85 مادة، تضمنت اقتراح نظام رئاسي وبقاء الأسد رئيساً لنهاية ولايته، وقائداً للجيش السوري و«التنظيمات المسلحة» الأخرى، مع ترشحه لولاية أخرى، مقابل إعطاء صلاحيات تنفيذية أكبر لرئيس مجلس الوزراء، وأخرى تشريعية لـ«مجلس الشعب»، وصلاحيات أكبر لـ«جمعية المناطق» التي تتضمن «حكماً ذاتياً للأكراد»، إضافة إلى تخلي الأسد عن سلطته التشريعية والقدرة على إصدار قوانين خارج انعقاد البرلمان، وعن ترؤسه مجلس القضاء الأعلى وتشكيل المحكمة الدستورية العليا التي عُدِّل دورها. كما أن المسوّدة الروسية حذفت كلمة «العربية» من اسم سوريا، وباتت «الجمهورية السورية» بدل «الجمهورية العربية السورية».

وأعطت المسودة صلاحيات أوسع لمجلس الوزراء، مع احتفاظ الرئيس بتحديد «الاتجاه العام» وتنفيذ القوانين. لكن لم يعد مسؤولاً فقط أمام رئيس الجمهورية، بل أيضا أمام البرلمان الذي يتسلم «برنامج عمل الحكومة». ولم يعد «رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء مسؤولين أمام رئيس الجمهورية» كما ورد في دستور 2012. ونصت المسوّدة صراحة على أنّ تعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء يكون على أساس «التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية»، ورئيس المجلس «عقد معاهدات واتفاقيات تعطي الشركات الأجنبية حق الامتياز»، و«تعيين موظفي الدولة والعسكريين وفصلهم».

وبحسب المسوّدة يبقى الرئيس قائداً للجيش والقوات المسلحة و«التنظيمات المسلحة» الأخرى. لكنها اقترحت أن تكون القوات المسلحة «تحت الرقابة من قبل المجتمع، ولا تتدخل في مجال المصالح السياسية، ولا تؤدي دوراً في عملية انتقال السلطة». كما أنها اقترحت السماح بـ«تشكيل قوات مسلحة وغيرها من الوحدات المسلحة». وقالت إن «بقاء الجيش خارج العمل السياسي يدعم العملية الديمقراطية، ويخفف القدرة على السيطرة على العملية، إضافة إلى اعتماد «التعددية السياسية».

رد دمشق

لم تكن دمشق وطهران سعيدتين بالمسوّدة الروسية وقتذاك، حيث رأت الحكومة السورية أن «المسودة الروسية صالحة لروسيا وليس لسوريا». وقدم خبراء رسميون سلسلة ملاحظات عليها، بينها إلغاء «جمعية المناطق» ومناطق «الحكم الذاتي الكردي»، والسماح بانتخاب رئيس الجمهورية الحالي لـ«ولايتين على التوالي»، ما يعني أن يترشح الرئيس الأسد لدى انتهاء ولاية جديدة لسبع سنوات، تبدأ بعد فوزه في انتخابات الغد. كما نصت التعليقات على اقتراحات كثيرة لعدم إعطاء الأكراد أي حق، بما في ذلك حذف فقرة نصت على أن «تستخدم أجهزة الحكم الذاتي الثقافي الكردي ومنظماته اللغتين العربية والكردية كلغتين متساويتين»، وشطب فقرات تخص تشكيل «وحدات إدارية» واعتماد «إدارات محلية» بموجب القانون 107 للإدارة المحلية على أساس مبدأ اللامركزية.

ولدى الحديث عن صلاحيات الرئيس، حذفت دمشق فقرة نصت على أنه «يتولى مهمة الوساطة بين سلطات الدولة، وبين الدولة والمجتمع، ويحق له لغرض تسوية الخلافات بين مؤسسات الدولة استخدام الإجراءات التوافقية»، وإضافة صلاحية «تعيين كبار الموظفين». كما تمسك مسؤولون سوريون بـ«إضافة سلطة التشريع للسيد الرئيس»، إضافة إلى عقد الاتفاقات وإحالتها إلى البرلمان، و«اعتماد» رؤساء البعثات، بعد نزعها من رئيس الوزراء. ونصت المادة 60 على «إخضاع القوات المسلحة لـرئيس الجمهورية، ويتولى مهمة القائد الأعلى للقوات المسلحة والتنظيمات المسلحة».

ونصت المسوّدة على توسيع صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، الذي يمكن أن يتولى «صلاحيات رئيس الجمهورية لمدة تسعين يوماً من تاريخ شغور منصب رئيس الجمهورية أو إثبات عجزه عن أداء مهماته، وفي حال حجز رئيس الوزراء يتولى مهمات رئيس الجمهورية رئيس جمعية المناطق». لكنها أبقت للرئيس صلاحيات «تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه وتسمية الوزراء ونوابهم وقبول استقالتهم وإعفائهم من مناصبهم».

وفي إطار تقليص صلاحيات الرئاسة أيضاً، التي تتضمن حالياً «تشكيل مجلس القضاء الأعلى ورئاسة مجلس القضاء الأعلى»، فإن مسوّدة موسكو اقترحت أن تضم «المحكمة الدستورية العليا» سبعة أعضاء «تعيّنهم جمعية المناطق»، لكن دمشق حصرت تشكيلها برئيس الجمهورية بـ«مرسوم». وإذ نصت المسوّدة على أن من صلاحيات المحكمة الدستورية العليا «محاكمة رئيس الجمهورية المعزول في حالة خيانة عظمى أو جريمة كبرى أخرى»، لكن دمشق حذفت آخر ثلاث كلمات.

وجاء في إحدى مواد المسوّدة الروسية: «تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية. وله الحق في الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية، وتسري عليه أحكام الدستور الخاصة بمدة ولايته اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة»، أي بموجب اقتراحات التعديل في المادة 49.

ويختم حميدي تقريره بالقول: عليه، يجوز التساؤل عما إذا كانت روسيا ستعيد طرح دستورها لسوريا بعد انتخاب الأسد لولاية جديدة، خصوصاً في ظل جهود المبعوث الأممي غير بيدرسن لاستئناف عمل اللجنة الدستورية بعد الانتخابات الرئاسية، بالتوازي مع ثبات خطوط التماس بين شمال شرقي سوريا وشمالها الغربي ومناطق الحكومة، ووسط أنباء عن تسخين التواصل الأميركي – الروسي واحتمال عقد صفقة إيرانية – أميركية حول الملف النووي، وسط حرص روسي على مساهمة خارجية بإعمار سوريا التي قدرت خسائرها بنصف تريليون دولار أميركي.