خطيب بدلة: طرائف اللغات اليومية

الأحد 30 أيار/مايو 2021

اللبنانيون يعتلون الهموم، يقولون: لا تعتلْ هَمّ. والسوريون يأكلونها: لا تاكلْ هَمّ. وأما المصريون، فحكايتهم مع النحت اللغوي حكاية. قبل أكثر من ثلاثين سنة، كنا نشاهد، على شاشة التلفزيون السوري رقصة مصرية رشيقة، تؤديها فرقة ترتدي ثياب البحارة، تترافق مع أغنية عنوانها “البَمْبُوطية”، وكنا نُجهد أنفسنا لفهم كلماتها، دون جدوى، حتى إن أحد أصحابي أولع بها، فاشترى كاسيتاً يتضمنها، وأجهد نفسه أياماً وليالي حتى حفظها، ولكن على نحو مضحك، إذ كان يغني: جانا الحقير ياما يكشفْ، وعطانا بَطاني طاني طيطة، قتلتني يا أبو الهَمَايل، وامسحْ لنا المظاريطة.. وأما الآن، ومع توفر محركات البحث الإلكترونية، وتسجيلات اليوتيوب، أصبح الوصول إلى أصل الأغنية وفصلها ومعانيها ممكناً. من غوغل علمنا أن أصل كلمة بنبوطية محرف عن “مَنْبُوطية”، المأخوذة عن مصطلح إنكليزي هو Boatman، أي رجل المركب، وقد قلبها إخوتنا المصريون بالعكس فأصبحت: Manboat. والمنبوطية مستحدثة، تزامن ظهورها مع افتتاح قناة السويس (1869)، حيث كان ينزل في السويس وبورسعيد بحارة قادمون من مختلف أنحاء العالم، فيأتي إليهم لفيف من الأهالي ببضائع محلية، ويبيعونها لهم بالعملات الأجنبية، أو يبادلونها مع بضائعَ يحملها البحارةُ مصنوعةٍ في بلادهم. وقد طور المنبوطيون، مع الزمن، واسطة النقل، فبعدما كانت تُنقل على ظهور الحمير، أصبحت تنقل بالفلايك (جمع لكلمة: فلوكة).

والفلوكة كلمة إنكليزية (Felucca) دخلت قاموس العامية المصرية بقوة، والدليل ما جاء في مطلع قصيدة أحمد شوقي “النيل نجاشي” التي يغنيها عبد الوهاب: قالت غرامي في فلوكة. وفي أحد مقاطعها يقول: وقفت أنادي الفلايكي، تعالَ من فضلك خدنا، رد الفلايكي بصوت ملايكي، قال مرحبا بكم مرحبتين، دي ستنا وأنت سيدنا.

من عجيب اللغة الألمانية أنها تعتبر الكلب مذكراً، والبقرة مؤنثة، وأما الفتاة التي يوقعُ جمالُها الطائرَ من أعالي السماء، فتأتي بصيغة (المحايد). وكذلك الحال بالنسبة للطفل الذي تقف الأسرة الألمانية على ساق واحدة لخدمته، والدولة الألمانية توليه اهتماماً استثنائياً، وتدفع له تعويض اسمه (kindergeld)، منذ ولادته وحتى بلوغه سن 23 سنة. والألمان أنفسهم يستغربون هذا التناقض، ولكنهم لا يناقشونه، ويقولون: اللغة هكذا.

والأغرب من هذا وذاك، لغة أهل حلب الذين يستخدمون عُمْقَ الحلق للفظ حرف القاف، وفي الوقت ذاته يرققون لفظة بطاطا، الغليظة بطبيعتها، ويلفظونها (بَتَاتِه).. وعندهم البندورة (أو الطماطم) تحمل اسماً غريباً هو “فْرَنجي”، ومع أن البندورة مؤنثة، يعاملونها معاملة المذكر، فيقولون طبخنا رز وفرنجي، أو عملنا مسقعة الفرنجي.. وبهذه المناسبة أتذكر ما رواه لي صديقي الإدلبي أبو عبدو، أنه ووالدته الحلبية كانا يستخدمان “الترجمة الفورية” أثناء تحاورهما في شؤون الحياة اليومية، فعندما توصيه على خضار للبيت تقول له: جيب تلاتة كيلو بتاته، يعني بطاطا.. وعلبة دبس فرنجي، يعني دبس بندورة.. وذات مرة، في أوائل السبعينيات، دخل البيت فوجدها جالسة تتفرج على التلفاز، وعندما رأته، وقفت وسألته: إشي قصتُه هادا البندوراية؟ ليش كل شوي عم يطلع في نشرة الأخبار؟ وهو فهم منها أنها تتحدث عن رئيس لبنان المرحوم سليمان “فرنجية”!

مضى على الأرمن الذين يعيشون في حلب أكثر من مئة سنة، ومع ذلك لم يتمكنوا من حل مشكلة التذكير والتأنيث في اللغة العربية، ومثلهم اليونانيون والطليان الذين يعيشون في مصر منذ مئات السنين، ومع ذلك يلفظون الحاء خاءً، والسين شيناً، وقد داعبهما العبقريان بديع خيري وسيد درويش بأغنية خالدة تقول كلماتها:

مَخسوبكو انداسْ، صَبَحْ محتاسْ، مَسَختو بابوتسي يا ناس، مفيس فلوس، بقيتو منخوس، فَلَّسْتو خلاص، نستغلو في إيه، يا فندي يا بيه، ما دام البخت موريه، مافيس تهييص، مافيس قميص، فينيتو خلاص. بوكر مفيس، يابو درويس، قهاوي رقص مفيس، ازاي يافندي، ابن الكيف يقدر يعيس؟

المصدر: العربي الجديد

  • خطيب بدلة كاتب سوري