عبد الله النجار: تركيا بين العرب والكرد شرقيّ الفرات

الخميس 3 حزيران/يونيو 2021

في أواخر عام 2011 أغلق النظام البوابات الحدودية مع تركيا، وعلى الرغم من استجلابه لاحقاً لحزب العمال الكردستاني وتسليمه المقار الحكومية والمخافر الحدودية، ورفع الأخير راياته الحزبية قبالة المخافر التركية في خطوة استفزازية واضحة، فإن تركيا افتتحت بوابات حدودية مؤقتة على طول حدودها مع سوريا استجابة للحالات الإنسانية، وغضّت الطرف عن سيطرة PKK الواضحة على البوابات عبر أتباعه من المدنيين الذين سلمهم إدارة الجانب السوري منها.

وعلى الرغم من إساءة استخدام الحزب للبوابات واستغلالها من أجل تعزيز نفوذه بالإضافة إلى تحقيق بعض المصالح المادية، فإنها استمرت في العمل حتى بداية عام 2014 حين أعلن الحزب إدارته الذاتية المرحلية في الجزيرة وعفرين وعين العرب فبدأت العلاقة تتراجع شيئاً فشيئاً إلى أن ساءت بعد إعلانه الإدارة الذاتية الديمقراطية في بعض مناطق جنوب شرق تركيا عام 2015 التي انتهت باستسلام آخر مجموعاته المسلحة للجيش التركي في آب 2016.

في لقائه مع المونيتور في كانون الثاني 2020 أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية مصطفى خليل عبدي الذي يلقب حركيا “مظلوم” بأنهم تعاملوا مع تركيا بصفتهم وحدات حماية الشعب YPG متمنياً علاقاتٍ طيبةً معها، وأقرّ بأن علاقاتهم مع الجار التركي كانت جيدة قبل مجيء الولايات المتحدة، وذلك في سياق مطالبته للأخيرة بتوفير الحماية لهم أو البقاء شرقي الفرات حتى الوصول إلى حلّ سياسي.

كما أبدى تفاؤله حين وعده الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتصحيح العلاقة مع تركيا حتى بعد أن تم طردهم من رأس العين وتل أبيض، وهو ما رفضه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي صرح بأن الرئيسين بوتين وترامب طلبا إليه الجلوس مع مظلوم فردّ “لن أجلس مع إرهابي”.

ورغم ذلك لم ينقطع أمل عبدي في تصحيح العلاقة مع تركيا بعد رحيل إدارة ترامب، بل وجه عدة رسائل للإدارة الجديدة يتمنى فيها المساعدة على حلّ مشكلات إدارته الذاتية مع تركيا بالحوار.

وبعد التاسع من تشرين الأول 2019 وتشكيل منطقة نبع السلام ودخول روسيا على الخط في شرقي الفرات أبدى مظلوم عبدي تفهمه لعلاقة موسكو مع دمشق وأنقرة والمسار الذي افتتحته لتصحيح العلاقة آنذاك حسب تعبيره، حتى إنه لم يعلن رفضه لاتفاقية أضنة صراحةً بل قلّل من إمكانية نجاح تطبيقها بحجة أن تركيا لن تستطيع الإيفاء بالالتزامات التي تفرضها الاتفاقية على الجانبين لأنها تدعم الإخوان المسلمين حسب تعبيره ولن ترضى بتسليمهم للجانب السوري ما يعني فشل الاتفاقية الحتميّ.

ولم تكن الرغبة في تصحيح العلاقة مع تركيا طموحاً شخصياً ذاتياً من تلقاء نفسه بل جاءت استجابة لتوجيهات كان قد صرّح بها عبد الله أوجلان من سجنه في أيار 2019 بأنه ينبغي على الأكراد السوريين أن يأخذوا مخاوف تركيا الأمنية بالاعتبار وهو ما أعلن عبدي تأييده لها.

بعد نبع السلام أطلق عبدي مبادرة لتوحيد الصف الكردي رعاها بالشراكة مع ممثل الولايات المتحدة شرقي الفرات، تضمنت إطلاق حوار بين أكراد الائتلاف الوطني ممثلين بالمجلس الوطني الكرديENK-S ، وأكراد PKK ممثلين بحزب الاتحاد الديمقراطيPYD  والأحزاب التابعة له، في سبيل تشكيل إدارة شرقي الفرات تحظى برضا تركيا، وتكون بغطاء كردي لايستفرد به أتباع PKK تطميناً لها، وبشّر مظلوم أتباعه بعقد مؤتمر لتوحيد “روجافا” قريباً، من دون أن يطلب من المجلس مغادرة الائتلاف بل عدّهم ممثلين للأكراد في جنيف.

وفي حين يفتح المجلس الوطني الكردي وأحزابه مكاتبهما شرقي الفرات، ويوجد جزء من مسؤوليه وقياداته هناك، فإنه لا يسمح للثوار والمعارضين العرب دخول المنطقة فضلاً عن النشاط فيها، كما لا يسمح للعرب هناك التواصل بأي شكلٍ مع مؤسسات المعارضة، بل عليهم أن يطلقوا صفة العصابات والمرتزقة على الثوار والفصائل التي تقاتل النظام، وتهلل مواقع الحزب وقنواته الإخبارية للقصف الذي ينفذه النظام وحليفه الروسي على إدلب وغيرها من المناطق المحررة، كما تطلق على الثوار والمقاتلين فيها صفة المرتزقة، في حين تنشط حركة الشبيبة الكردية “جوانين شورش كر” في تجنيد الفتيان العرب وإرسالهم إلى قنديل لقتال تركيا إلى جانب حزب العمال الكردستاني.

ويمنع على العرب الانتماء إلى أي تكتل معارض مالم يكن دائراً ضمن فلك “مسد”، بينما عليهم الخروج في برنامج لا ينتهي من المسيرات المؤيدة لـPKK وأوجلان يتم فيها رفع رايات الحزب وأعلامه وصور زعيمه المعتقل في استعداء واضح يتم فيه زجّ العرب عنوة في مواجهة الأتراك وخلق فتيل معركة لا تنتهي وليست في صالحهم إطلاقاً.

وعسكرياً يتم زجّ المقاتلين العرب في “قسد” على الخطوط الأولى في مواجهة أبناء عمومتهم في الجيش الوطني المدعوم من الجيش التركي في نبع السلام، وأظهرت بيانات القتلى تعمداً واضحاً في ذلك حيث تبين أنه حتى القتلى القادمين مما تسمى “بالمناطق الكردية” كانوا عرباً وليسوا أكراداً، وقد أقر قادة ” قسد” أن غالبية القتلى من المقاتلين العرب.

كما تستغل استخبارات PKK الجهل والفقر وحاجات بعض السكان العرب لتجنيدهم كعملاء وتكليفهم في مهمات تستهدف زعزعة الاستقرار في منطقة نبع السلام وفق ما أظهرت تحقيقات نشرها الجيش الوطني مع بعض الخلايا التي تم إلقاء القبض عليها.

لماذا على المسؤولين العرب في “مسد” أن يكونوا “أبوجيين” أكثر من الأكراد، وأن يناصبوا تركيا العداء؟ في حين يطلب قادة PKK ودّها، ويطمحون إلى علاقات طيبة وتعاونٍ معها، رغم أربعين سنة من القتال المستمر، في حين لم تقع ولا معركة بيننا وبين الأتراك إلا بعد قدوم PKK وتحت قيادته وخدمةً لأجندته.

أليس من حق المعارضين العرب أن يتحدوا ويعملوا في سبيل وحدتهم الوطنية سواءً كانوا في شرقي الفرات أو خارجه أو في مؤسسات المعارضة، أسوة بما يسعى إليه الأكراد من توحيد صفهم الكردي؟

لماذا يتقارب الأكراد برعاية الولايات المتحدة ، بينما يفرض على أبناء العمومة من العرب أن يتقاتلوا على طرفي خط النار  رغم أن كليهما معارض للنظام؟

ألا يُعتبر التجنيد الإجباري الذي ينفرد به أتباع PKK على امتداد الساحة السورية ويفرضونه على العرب والسوريين عموماً جريمة حربٍ وفقاً لقانون روما الأساسي ويشكل مخالفةً واضحة لاتفاقيات حقوق الإنسان الأوروبية والأميركية وجنيف الرابعة، فضلاً عن أنه يؤسس لشرخ اجتماعي بدأنا نتلمس بوادر انفجاره المدمر اجتماعياً ووطنياً هناك.

لماذا لا يحق لعرب شرقي الفرات سواءً كانوا في “مسد” أو “قسد” أو خارجهما أن ينظروا لإخوانهم في المعارضة بذات المنظار الذي ينظر منه مظلوم للمجلس الوطني الكرديENK-S؟

وأخيراً لماذا يحق للكرد ما لا يحق للعرب؟

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

  • عبد الله النجار كاتب سوري