شرق سوريا “صندوق بريد” لرسائل إيرانية أميركية

الأربعاء 30 حزيران/يونيو 2021

سوريا اليوم – متابعات

تبادل الأميركيون والإيرانيون الرسائل الحربية في أقصى الشرق السوري، الذي يبدو أنه سيكون ميدان صراع محتمل بين الطرفين، اللذين يبتعدان حتى اللحظة عن المواجهة النارية المباشرة، خصوصاً من الجانب الإيراني الذي يحرك وكلاء له في سورية والعراق لاستهداف قوات أميركية في كلا البلدين.

وقصفت مليشيا “أبو الفضل العباس” التابعة لـ”الحشد الشعبي” العراقي والمتمركزة في محيط مدينة الميادين السورية في ريف دير الزور الشرقي، مساء الإثنين، بثمانية صواريخ قاعدة حقل العمر النفطي التي تتمركز داخلها قوات التحالف الدولي، وفق مصادر محلية وشبكات إعلامية محلية. وبحسب هذه الشبكات، رد التحالف الدولي بقصف بالمدفعية الثقيلة على مصادر النيران على الفور، تلته بنصف ساعة غارات جوية مكثفة شنتها طائرات التحالف على مقرات ومواقع هذه المليشيا. وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، واين ماروتو، الإثنين، تعرض قاعدة أميركية في سورية لقصف صاروخي، من دون وقوع إصابات، مشيراً في تغريدة عبر حسابه الرسمي على “تويتر”، إلى أن القوات الأميركية كانت في حالة “دفاع عن النفس” و”ردّت بقصف مدفعي للمواقع التي أطلقت منها الصواريخ”، بحسب تقرير صحيفة “العربي الجديد” اليوم الأربعاء.

وجاءت الرسالة الإيرانية بعد يوم واحد من قصف أميركي، استهدف مقار لمليشيا “كتائب سيد الشهداء”، أحد أبرز الفصائل العراقية المدعومة من طهران، داخل منطقة الهري السورية الحدودية التي تبعد قرابة 6 كيلومترات من معبر القائم الحدودي شرق مدينة البوكمال، شرق سورية. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ليل الأحد-الإثنين، أنها شنّت غارات جوية استهدفت منشآت تستخدمها مليشيات مدعومة من إيران على الحدود السورية العراقية، مشيرة إلى أن هذه الضربات أذن بها الرئيس جو بايدن في أعقاب الهجمات المستمرّة على المصالح الأميركية، فيما أقرّت مليشيا “كتائب سيد الشهداء”، في بيان لها، بمقتل عدد من عناصرها بالهجوم الأميركي.

وتشير المعطيات الواردة من ريف دير الزور الشرقي إلى أن المليشيات الإيرانية تتحسب من استمرار الضربات الجوية من قبل التحالف الدولي، وهو ما دفعها إلى إعادة انتشار لعناصرها في المنطقة الممتدة من مدينة الميادين غرباً إلى مدينة البوكمال شرقاً، والتي تعد منطقة نفوذ إيراني بلا منازع منذ أواخر عام 2017 حين خرج تنظيم “داعش” من هذه المنطقة. وتخلو المنطقة من أي وجود مهم لقوات النظام السوري الذي تخلى حتى عن السيطرة الرمزية عن جلّ ريف دير الزور الشرقي الذي يشكّل أهمية لدى الإيرانيين الذي يسيطرون فعلياً على شرقي سورية وغربي العراق من خلال مليشيات تتبع لهم.

ورأى مدير مركز “الشرق نيوز” فراس علاوي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن شرق سورية “لن يكون ساحة مواجهة مفتوحة بين الإيرانيين والأميركيين”، مضيفاً: “اعتقد انه سيتحوّل إلى صندوق بريد للرسائل المتبادلة بين الطرفين”. وتابع بالقول: “الإيرانيون والأميركيون اختاروا شرق سورية للرد المتبادل، فطهران تناور في منطقة بعيدة عن حدودها البرية، والأميركيون لا يريدون العودة مرة أخرى إلى العراق بالشكل الذي حافظوا عليه طيلة السنوات الماضية، لذا سورية ساحة مفضلة للطرفين لتبادل الرسائل السياسية بشكل عسكري”.

وأوضح علاوي، وهو من أبناء ريف دير الزور الشرقي، أن “نقاط الاشتباك بين الطرفين قريبة جداً في شرقي سورية، ولا يفصل بينهما سوى نهر الفرات على مسافة لا تتعدى 1500 متر وهي أقرب نقطة بين الإيرانيين والأميركيين في منطقة الشرق الأوسط”. وأعرب عن اعتقاده أن المواجهة “لن تتطور على الأقل في المدى المنظور بين الطرفين في شرق سورية”، مضيفاً: “ما يجري تسخين للملفات على طاولة المفاوضات في فيينا حول البرنامج النووي الإيراني بين طهران والغرب”.

ويتشاطر الأميركيون والإيرانيون السيطرة على ريف دير الزور الشرقي، إذ تسيطر المليشيات الإيرانية على المنطقة الواقعة جنوب نهر الفرات والمعروفة محلياً بـ”الشامية”، بينما يسيطر الأميركيون عن طريق “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) على شمال النهر أو ما يُعرف محلياً بـ”الجزيرة”. ويحتفظ الأميركيون ودول التحالف الدولي بوجود عسكري كبير في شرقي سورية، وأقام هذا التحالف قاعدة كبرى في حقل العمر النفطي الذي يعد الأكبر بين الحقول السورية. كما تنتشر قواعد ونقاط تمركز أميركية في ريف الحسكة الجنوبي خصوصاً في بلدة الشدادي الغنية بالغاز، وفي ريف الحسكة الشرقي حيث حقول رميلان الشهيرة للنفط والغاز.

ولفت رئيس تحرير موقع “إيران انسايدر” أيمن محمد، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن “أبرز المليشيات التابعة لإيران في محافظة دير الزور، هي: فاطميون الأفغانية، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله، وحزب الله اللبناني، إضافة للحرس الثوري الإيراني الذي يشرف على انتشار ودعم المليشيات عبر مستشارين وقادة عسكريين، قتل اثنان منهم قبل أيام على طريق حمص ـ تدمر”. وأشار إلى أن هذه المليشيات “تنتشر في مدن دير الزور والميادين والبوكمال”، مضيفاً: لإيران في شرق سورية قاعدة “الإمام علي” العسكرية الاستراتيجية التي تخزن فيها صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وتعرضت لقصف جوي إسرائيلي أكثر من مرة منذ بدء تشييد القاعدة بريف البوكمال. وبيّن محمد أن لمحافظة دير الزور أهمية لدى الإيرانيين، مشيراً إلى أنهم “يخططون لوجود طويل الأمد”، مضيفاً: تحاول إيران خلق بدائل محلية، ولهذا عملت على تأسيس مليشيات من العشائر الموالية لها في المنطقة آخرها كان “الهاشميون”. وتابع بالقول: ومن المهم التذكير أنه بتاريخ 13 مارس/آذار الماضي، نشرت المليشيات الإيرانية مجموعة من الصواريخ، في مدينة الميادين وريفها، ووجهتها نحو قاعدة التحالف الدولي في حقل العمر.

وفي السياق، أوضح أن إيران تضع يدها على معبر البوكمال الحدودي الذي يربط بين سورية والعراق، والذي افتتح في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2019، بعد أكثر من 7 سنوات على إغلاقه. ورأى محمد أن “المليشيات الإيرانية قادرة على إزعاج القوات الأميركية في حقل العمر، بحكم سيطرتها على مناطق متاخمة وقريبة من القاعدة”، مشيراً إلى أن إيران “تمتلك ترسانة صاروخية قادرة على ضرب القاعدة”.