غسان المفلح: الوقت الأمريكي في الشرق الأوسط

الأربعاء 30 حزيران/يونيو 2021

الكتابة عن السياسة والمصالح الأمريكية ليست بالأمر السهل. الكتابة عن التحركات الأمريكية في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة، تعد من أعقد البحوث والكتابات في الحقل السياسي. الشرق الأوسط

لذا كنت أحاول تناول بعض الجوانب التي يمكن أن تطرح أسئلة أو تضيء زاوية في هذا الظلام. مراكز بحوث كبرى أمريكية وعالمية تحاول تلمس تقييم موضوعي لهذه السياسة وتحركاتها. رغم الإرث الكبير الذي تستند إليه هذه المراكز وباحثوها، نجد أننا أمام حالة الاختلافات التكرارية في تناول سياسة أمريكا في كل بلد. لم يمر في تاريخ البشرية أن تتحكم دولة واحدة بالكوكب. أمريكا هي الاستثناء هنا.

المشروع الرأسمالي الذي انطلق من أوروبا الغربية واجتاح العالم برمته، بقي منذ انطلاقه على مدار ثلاثة قرون تقريباً مقاداً من قبل الدول القوية في أوروبا الغربية. حتى أتت نتائج الحرب العالمية الثانية لتنتقل القيادة إلى أمريكا. وتوزع العالم بعدها إلى حلفاء لأمريكا أو شركاء لها تحدد حصصهم، أو أعداء لأمريكا تريد القضاء عليهم. سبعون عاماً ونيّف وأمريكا تأخذ وقتها تماماً في معالجة كل ملف مهتمة به. الشرق الأوسط

بيّن الحلفاء والأعداء هنالك مروحة من العلاقات التي أسستها أمريكا مع كل دول العالم كل على حدة، لهذا تمتلك أمريكا أكبر وزارة خارجية في العالم. لا يوجد دولة في العالم ليس لأمريكا وجود فيها. لا يوجد “بؤرة توتر”، كما ترغب السياسة الأمريكية هذه التسمية، إلا ويوجد مندوب أمريكي مهمته معالجتها وفقاً للطريقة الأمريكية نفسها. هذا الأمر لا ينطبق على أية دولة أخرى في هذا الكوكب.

وبقية الدول كما أسلفنا تدور في فلك الحليف أو العدو أو “بين بين”، تحاول دول أن تخرج من هذه المساحة، فتجد أن أمريكا أمامها. إلى أين تخرج؟ الاتحاد السوفييتي سابقاً والآن الصين. الصين إذا أرادت الخروج فهي ستخرج بالتفاوض مع أمريكا، فهل تسمح أمريكا للصين بقيادة العالم؟ هل تسمح أمريكا بأن تشاركها الصين بقيادة العالم؟ أمريكا لم تسمح لحليفها التقليدي بذلك، وأقصد هنا أوروبا الغربية، فهل ستسمح للصين؟ بالتأكيد دوماً هنالك في تاريخ البشرية تحولات لا يمكن التنبؤ بها.. لكن أمريكا تحاول، وستبقى مواجهة أية تحولات ممكنة من شأنها تخفيف حصتها في قيادة هذا العالم. هل أمريكا كلية القدرة؟ بالتأكيد هذا السؤال فيه سذاجة، من جهة، وأحياناً فيه تلاعب من قبل راكبي موجة السياسة الأمريكية، من جهة أخرى.

أمريكا الموجودة هي نسبية القدرة، وهنا تكمن قوتها. لو كانت أمريكا كلية القدرة لسقطت منذ زمن. أمريكا ليست من السذاجة كي تتعامل مع نفسها بأنها كلية القدرة. هي في كل ملف على حدة تجد لها شركاء أو حلفاء أو حياديين حتى. وتدخل في اتفاقيات حتى مع من تسميهم أعدائها، لكنها تبقي على سيادة نسبية في كل الملفات التي تعنيها.

حتى في أحيان قليلة تقبل سيادة أقل في بعض الملفات، وتترك السيادة الفعلية فيها لحلفاء أو حتى لأعداء، حتى يتسنى لها الوقت وتغير ميزان القوى في هذا الملف أو ذاك. بحيث مع هذا الوقت الأمريكي تعود لها السيادة عليه. منذ أن صارت أمريكا في قيادة العالم، وهي تعتبر منطقة الشرق الأوسط مجالاً أمنياً أمريكياً. لا تقبل فيها سيادة أقوى من سيادتها. هذا أمر أعتقد ليس مجال خلاف حتى داخل أروقة السياسة الأمريكية، أو حتى داخل مراكز البحوث الأمريكية. الخلافات والاختلافات تكون حول طريقة معالجة هذه الإدارة أو تلك لهذا الملف أو ذاك داخل هذه المنطقة. معالجتها للملف الليبي مثلاً غير معالجتها للملف السوري كمثال. الشرق الأوسط

هذه السيادة على المنطقة تجعل من الوقت أداة لاستمرارها. بغض النظر عن حجم القتل والمجازر التي تحدث في بلدانها. تعتمد عامل الوقت المسيطر عليه، لتمرير دعمها لنسق سلطوي في كل بلد على حدة، أهم ميزاته أنه نسق يمارس القتل والإبادة بأريحية أمريكية. أمريكا حتى اللحظة لم تجد أنّ من مصلحتها قيام أنظمة ديمقراطية في الشرق الأوسط. كانت تركيا آخر الدول التي دعمتها أمريكا على هذا الصعيد. نحن المقهورين في هذه المنطقة، نحاول أن نجعل أمريكا تغير في سياستها. لكن حتى اللحظة عبث ما نحاول.

في سوريا، أمريكا مارست لعبة الوقت المسيطر عليه بنجاح وفقاً لأهدافها فيها. في كل فترة تخرج علينا بعناوين لا حل فيها. آخر هذه العناوين الآن هو عنوان معبر باب الهوى أو المعابر الإنسانية كما تسميها. روسيا ترفض وتريد إدخال المساعدات الإنسانية عن طريق نظام الأسد. عنوان ينشغل فيه الإعلام العالمي والمحلي، وهو عبارة عن فقاعة لا حل سياسي بعدها. ما يزال الوقت سيد الموقف الأمريكي في سوريا والشعب السوري ضحاياه كضرر جانبي. هذا الأمر ينطبق على كثير من الملفات الأمريكية في الشرق الأوسط. ببساطة لأننا نعيش الوقت الأمريكي.

المصدر: ليفانت نيوز

  • غسان المفلح كاتب سوري