عالية منصور: سوريا من دون سوريين

الخميس 1 تموز/يوليو 2021

بعد أكثر من عشرة أعوام على انطلاق الثورة السورية، لا يزال المشروع الوطني السوري بعيد المنال. وإن كانت الظروف الاستثنائية التي يعيشها السوريون والعنف غير المسبوق الذي مارسه النظام ضد الثوار والمدنيين، إضافة إلى استجلاب الاحتلالات الأجنبية والميليشيات الطائفية، عوامل أساسية من العوامل التي تسببت بإضعاف بنية المجتمع السوري، وغياب الهوية السورية الجامعة، إلا أنه لا بد من القول إن فشل الدولة الوطنية التي نتجت عن حدود سايكس بيكو، وغياب الولاء لهذه الدولة بعد قرابة قرن على إنشائها، كانا أيضا من أبرز العوامل التي أدت لظهور هويات عابرة للحدود.

لم تسنح الظروف للسوريين بعد الاستقلال بإعادة تعريف ذاتهم كمواطنين سوريين أولا وقبل أي تعريف آخر، فما هي إلا سنوات قليلة حتى كانت الوحدة مع مصر والتي عمل خلال سنواتها القليلة النظام المصري ومعه الأحزاب القومية في سوريا على إذابة مفهوم الهوية الوطنية السورية لصالح الانتماء للعروبة، وكأن الأمرين يتناقضان. ولاحقا تسبب الفشل الذريع الذي لحق بالوحدة والهزائم المتلاحقة بالعالم العربي إلى ظهور الأحزاب الإسلامية، فبات الانتماء إلى الأمة ومحاولة إعادة أمجادها هو الخيار الأمثل للهروب من الهزائم بدل الانتماء إلى الوطن.

لقد تربى السوريون على مقاعد الدراسة التي كانت تقول مناهجها إن وطنهم الذي يعيشون فيه هو ثمرة مؤامرة استعمارية حاكتها بريطانيا وفرنسا لتقسيم العرب وسوريا الطبيعية إلى دويلات، هذه المناهج الدراسية التي عززها البعث وفرضها في كل مراحل الدراسة وعبر وسائل الإعلام، حولت الوطن الذي يفترض أن يفتخر الإنسان بالانتماء إليه، إلى شيء مرذول ومؤقت ويجب الخلاص منه بمجرد القدرة على تحقيق دولة الوحدة العربية.

لقد عاشت النخبة السياسية والفكرية السورية، وكذلك المواطن السوري في حذر شديد من استخدام كلمة سوري كتعريف عن النفس، إذ كان ينظر لهذا التعريف أنه تعبير عن “النزعة القطرية البغيضة” حسب أدبيات حزب البعث والذي تعهد في دستوره بمحاربتها وقتلها لأنها تعيق مشروع تحرر العرب حسب زعمه، ولذلك كان الجميع يهرب من كلمة  سوري الدالة على الانتماء الوطني إلى قرنها بكلمة أخرى بحيث يصبح التعريف “عربي سوري” وهو التعريف الموجود في قيود السوريين حتى اللحظة، حيث يجد كل سوري عندما يحصل على قيد مدني عبارة غريبة تصفه ” بأنه عربي سوري منذ خمس سنوات”، وهذا القيد أو التعريف ربما يختزل كثيرا من أسباب فشل الاجتماع السياسي السوري، بل إن أحكام المحاكم في سوريا لا تصدر باسم الشعب السوري، بل تصدر وفقا للدساتير التي صدرت في عهد البعث جميعها ومنها دستور بشار عام 2012: “باسم الشعب العربي في سوريا”، إذن لايوجد أي اعتراف قانوني بوجود شيء اسمه الشعب السوري في دستور سوريا والذي من المفترض أنه يؤطر الاجتماع السياسي السوري ويعطيه البعد القانوني. فجملة الشعب العربي في سوريا تجعل من السوريين مجرد كتلة سكانية تنتمي قوميا وتقطن في جغرافيا اسمها سوريا، وليست شعبا له مميزاته وملامحه المحددة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ولذلك تجد السوريون لا يعرفون عن نفسهم في أي مناسبة إلا بنسبة أنفسهم للمدن التي ينحدرون منها، فلدينا حلبي وشامي وحمصي وديري وحوراني لكن ليس لدينا سوري.

عند انطلاق الثورة السورية أعاد السوريون اكتشاف هويتهم، كما أعادوا اكتشاف سوريا بمدنها وقراها، فهتفت المناطق لبعضها كما نبذ حينذاك السوريون الفرقة بين الطوائف والأعراق التي تتشكل منها سوريا، ولكن مسارعة النظام لممارسة عنف غير مسبوق إضافة إلى ممارسات طائفية وصلت لحد ارتكاب جرائم طائفية ضد أطفال ونساء من قبل شبيحة تابعين للأسد مستخدمين السلاح الأبيض إضافة إلى الاغتصاب، ونشر صور وفيديوهات هذه الممارسات، كان أحد أهدافها هو إعادة شرذمة السوريين.

وإن كان لوم الضحية غير وارد وغير أخلاقي أساسا، ولكن لابد من إلقاء بعض اللوم على النخب والمثقفين الذين وبدل أن يتمسكوا بوحدة السوريين ويتنبهوا لما أراده نظام الأسد للثورة، انجروا إلى تحالفات مع أحزاب وشخصيات تبنت خطابا يفرق بين السوريين ولا يجمعهم، ويقع عن سابق تصور وتصميم في الفخ الذي نصبه لهم نظام الأسد. وتحت ذريعة عدم التسبب بشرخ في المعارضة، رضخ جزء كبير من المعارضة الوطنية بشقيها الليبرالي واليساري إلى هيمنة الحركات الإسلامية التي تبنت خطابا لا يعترف بسوريا كوطن نهائي، بل كجزء من الأمة الإسلامية، فحافظنا على وحدة المعارضة مرحليا ولكننا خسرنا وحدة السوريين.

كل ذلك تسبب بخسارة الحامل السياسي والثقافي للثورة، فتحولت المعارضة إلى مجموعات كل منها ينتمي إلى جهة معينة حسب ولائها السياسي، فصار لدينا معارضة تابعة لمصر وأخرى تابعة لتركيا وأخرى تابعة لروسيا وغيره وغيره، ولكن غاب عن الساحة السياسية وجود معارضة سورية وطنية تمثل مصالح السوريين. وصار السوريون ينتظرون أخبار اجتماعات الدول وقراراتها وتسوياتها ليعرفوا أي مصير ينتظرهم دون أن يكون على طاولة المفاوضات أي ممثل حقيقي لمصالحهم كمواطنيين سوريين قبل أي شيء آخر.

حتى بات مجرد طرح حوار سوري سوري بين طرفين كلاهما معارض يلقى ردات فعل مستهجنة ليس بسبب رفض السوريين أنفسهم لفكرة الحوار ضمن الصف الواحد، ولكن لأن دولا راعية قد ترفض هذا الحوار لتعارضه مع رؤيتها.

ولكن السؤال، كيف للسوريين أن يضعوا حدا لمأساتهم إن لم يتمكنوا من توحيد صفوفهم وتعريف هويتهم ليضعوا على أساسها أسسا لمستقبلهم؟ وكيف لمعارضات صار ولاؤها بالكامل لقوى ودول إقليمية أن تساهم بإنتاج حل يصب بمصلحة السوريين أولا؟

لا ينكر عاقل أن نظام الأسد كما دمر سوريا ساهم بشكل أساسي وعن عمد بتدمير المجتمع والمواطن السوري، وإن كان ولاء النظام لنفسه أولا جعله يتسبب بتدمير سوريا واستجلاب الاحتلالات والميليشيات الأجنبية والطائفية، ولكن لا سبيل لوضع حد لمأساة السوريين طالما أن من يفترض أن يمثلهم بات يرى بالأسد وتبعيته نموذجا يحتذي به.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

  • عالية منصور كاتبة سورية