أيمن حقي: هل من مصلحة واشنطن وموسكو حل المعضلة السورية؟

الثلاثاء 13 تموز/يوليو 2021

قبل عشر سنوات ونيف نهض الشعب السوري سلميًّا للمطالبة بالإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، فكانت النتيجة هذا الدمار الكبير الذي نشهده اليوم على البشر والحجر.

في تلك الأثناء مرّ على الحكم هنا في واشنطن عهدان، وتولّى رئيسان زمام الأمور في البيت الأبيض، وهما الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري دونالد ترامب، ولم تفلح السياسات الخارجية الأميركية، رغم تنوع مقارباتها المتناقضة في حلحلة الملف السوري. فشل الجميع في إحراز أي تقدم أو فتح أي نافذة نجاة للشعب السوري.

ومن المرجّح أن الولايات المتحدة لم تكن ترى أي نتيجة مرجوة من تدخل مباشر في الشأن السوري كما فعلت موسكو على سبيل المثال، قياسا بالتدخلات الأجنبية العديدة على الأرض السورية سواء جاءت على شكل ميليشيات عابرة للحدود كالميليشيات الإيرانية أو على شكل جيوش نظامية لدول الجوار كالتدخل التركي.

مع وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض، وهو من عمل نائبا للرئيس الأسبق أوباما لمدة ثماني سنوات وأشرف على الصفقة التي جرت بين موسكو وواشنطن لتجنيب النظام السوري ضربة عسكرية مقابل تسليمه لترسانة سلاحه الكيمياوي، يُخشى أن تسير الأمور في الاتجاه القديم عينه.

إلا أنه لا بد أن تعي الإدارة الأميركية الجديدة أن الظروف الدولية والإقليمية المحيطة بالقضية السورية قد تغيّرت، ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تشارك في اتخاذ القرارات المعلقة لإيجاد مخرج سياسي ينهي آلام السوريين ويعيد لهم حقوقهم المفقودة، ولأسباب تخدم الإنسانية ومصالح أميركا.

فعلى مستوى الرأي العام الأميركي هنا، والذي يؤثر بشكل قوي على مراكز اتخاذ القرار في واشنطن، بدت سوريا للجميع مثل “عش الدبابير” والاقتراب منه أو النبش فيه سيُلحقان بالمصالح الأميركية أذى كبيرا.

وعلى الرغم من الطبيعة السلمية الأولية بالغ النظام في رد فعله بشكل صارخ، وتحوّل الاحتجاج السلمي إلى تمرّد عسكري بشكل مفهوم للجميع. العنف المبالغ فيه من النظام تجاه المدنيين استقطب بدوره قوى خارجية وتمويلا متعدد المصادر والأهداف، ما أدى إلى اقتراف فظائع تجاوزت كل ما يمكن تصوره من تجاوزات وانتهاكات وحشية في حق الشعب السوري والإنسانية تخضع حاليّا للتحقيق كجرائم حرب ارتكبت على الجانبين، إلا أن للنظام السوري في دمشق النصيب الأكبر منها.

رسمت الإدارة الأميركية الخطوط الحمر الشهيرة وتفضل الرئيس أوباما بتحذير النظام السوري من تجاوزها ثم تجاهلها بشكل غامض، ما أدى إلى تضاؤل نفوذ الولايات المتحدة بل وغياب مصداقيتها على مستوى أصحاب النفوذ على الأرض السورية من جهة وعلى المستوى الشعبي السوري والعالمي من جهة أخرى.

تدخلت روسيا عسكريّا في سبتمبر عام 2015 ودعمت نظام دمشق بكامل عديدها وعتادها لإخراجه من عزلته، ولم تفعل الولايات المتحدة شيئا لثني موسكو عن بسط هيمنتها على المناطق التي تقع تحت سيطرة النظام السوري. كما عملت إيران لأغراض طائفية بحتة على دعم النظام في حملته لقمع الشعب السوري الثائر، في حين ساعدت تركيا الثوار خشية التدفق الهائل للمزيد من اللاجئين على حدودها.

لم يترك المسؤولون الأميركيون مناسبة إلا وعبّروا فيها عن أسفهم لمحنة سوريا التاريخية ومصير الملايين من النازحين وعشرات الآلاف من المعتقلين والمغيبين قسرا، ولكنهم كانوا يفتقرون باستمرار إلى حل واضح. فقد سمحت الولايات المتحدة عن قصد أو عن غير قصد لمعاناة الشعب السوري أن تستمر، وأصبح من مصلحة الجميع الآن، وخاصة الولايات المتحدة، أن يتم إغلاق هذا الفصل من التاريخ، وهذا الأمر من الممكن أن يحدث بقرار روسي جريء تباركه واشنطن وترعى تنفيذه.

فلا بد من الاعتراف بأن لروسيا موطئ قدم في المنطقة بلا مناوئ، بينما يمكن أن تحقق الولايات المتحدة مكاسب من خلال عمليات إعادة الإعمار ستبلغ قيمتها المليارات من الدولارات حسب التقديرات الأولية، كما أن التدخل الفاعل لواشنطن في هذه المرحلة سيمكنها أيضا من تصحيح خطأ تاريخي وقعت فيه في سوريا واستعادة مكانتها كمصدر عالمي رائد للقيم الإنسانية.

من الفوائد الأخرى التي قد تكون أكثر أهمية للتنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا أن هذا التنسيق يمكنه أن يكون مؤشر توافق أميركي – روسي في أماكن أخرى من العالم تتنافس الدولتان العظميان فيها.

لا يمكن لأي طرف أن ينكر أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا في حاجة إلى بعضهما البعض. فالواقعية السياسية تشير إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين سيرحّب بتخفيف واشنطن الضغط عليه نتيجة أنشطته في دول الجوار الروسي ولاسيما أوكرانيا، بينما سيستفيد الرئيس بايدن من الدعم الروسي لمساعيه في مواجهة الصين.

إذن لا بد من توجه ائتلافي بين موسكو وواشنطن. ولا بد أن يبدأ من خلال التنسيق بينهما في القضية العاجلة للمعابر الإنسانية في الشمال السوري والسماح بمرور المساعدات إلى الملايين من النازحين هناك، وأيضا تأمين عودة اللاجئين بإشراف روسي وبتنظيم روسي عسكري وسياسي ملحّ لفتح قنوات الاتصال بين الأطراف المعنية.

هذه الأنشطة لا يمكن أن تكون منتجة وقابلة للاستمرار إلا بإرادة روسية فاعلة وفي ظل رعاية أميركية متواصلة. فمن مصلحة الولايات المتحدة وروسيا أن تنتهي الأزمة في سوريا، وعلى الطرفين تشجيع الحل الذي يقترحه السوريون المتصالحون بما ينتهي إلى وضع نهاية لهذه الأزمة التي طال أمدها وبما يحقق مصالح الجميع.

المصدر: العرب

  • أيمن حقي كاتب سوري