طه عبد الواحد: سوريا كمدخل للتطبيع الروسي الأميركي مع بقاء الأسد

الخميس 15 تموز/يوليو 2021

عادت سوريا اليوم إلى الصدارة على جدول أعمال العلاقات الروسية-الأميركية، ولم تعد مجرد “واحد من ملفات أخرى” بحثها الرئيسان جو بايدن وفلاديمير بويتن خلال قمتهما في جنيف، وباتت ملفاً رئيسياً ووحيداً حتى اللحظة يجري الحوار حوله بين موسكو وواشنطن. لا يخفي المسؤولون الروس “سعادتهم” وهم يتحدثون عن التوافق مع الأميركيين حول قرار تمديد آلية المساعدات الدولية العابرة للحدود إلى سوريا، وينظرون إلى الأمر وكأنه “اختراق نوعي” في العلاقات مع الولايات المتحدة، يعولون عليه في إطلاق أو تحريك المحادثات الأميركية-الروسية، التي لم تبدأ بعد حول أيّ من الملفات الحساسة التي حددها الرئيسان الأميركي والروسي خلال قمة جنيف. وبانتظار تطورات حول تلك الملفات، استبقت روسيا الجولات القادمة المتوقعة من المفاوضات مع الأميركيين حول تسوية الأزمة السورية، برفع سقف شروطها، وحددت معالم تسوية تناسبها و”على مقاس بقاء الأسد”.

ومنذ الأيام الأولى لتدخلها العسكري في الأزمة السورية، سعت روسيا إلى إطلاق تعاون مع الولايات المتحدة حول الأزمة السورية، وبرز ذلك في أكثر من محطة. في الفترة الأولى دعت إلى تعاون واسع بين القوات الروسية والقوات الأميركية على الأراضي السورية تحت شعار “التصدي للإرهاب الدولي”. إلا أن واشنطن رفضت ذلك الاقتراح، واكتفت بتوقيع مذكرة حول تفادي الحوادث بين قوات البلدين في الأجواء وعلى الأراضي السورية.  من ثم في 2013، بعد ارتكاب النظام مجزرة مروعة ضد المدنيين في الغوطة الشرقية باستخدام السلاح الكيماوي، وبعد أن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عزمه توجيه ضربة للنظام السوري، تدخلت روسيا وأطلقت محادثات مع الأميركيين انتهت بتراجع أوباما عن “الضربة”، والاتفاق مع روسيا على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية. منذ ذلك الحين وحتى اليوم يستشهد المسؤولون الروس بذلك الاتفاق كلما أرادوا التأكيد على أن “تعاون واشنطن مع موسكو يأتي بثمار مذهلة”. إلا أن ذلك التعاون لم يتجاوز حدود تدمير الترسانة الكيماوية السورية.

بعد ذلك في 2016، وبينما كانت حلب تتعرض لهجمة شرسة من قوات النظام بمشاركة روسية، انطلقت محادثات بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري حينها، والروسي سيرغي لافروف. وتوصلا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كان لافتا أن تضمن فعليا موافقة على الاقتراح الروسي السابق حول التعاون العسكري في سوريا. وأشار بند من بنود الاتفاق إلى “بدء التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا على هزيمة داعش، وجبهة تحرير الشام”، وأن “يتم تنسيق ضربات جوية مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة”. إلا أن كيري اشترط حينها أن الولايات المتحدة ستوافق على التعاون العسكري مع روسيا في سوريا إذا صمد الاتفاق أسبوعا. لم يصمد الاتفاق بسبب انتهاكات النظام السوري، وانهار وانهارت معه الأحلام الروسية بتعاون عبر سوريا يؤسس لشراكة ندية مع الولايات المتحدة.

بعد دخول دونالد ترامب البيت الأبيض، والانطباع الذي خلفه لدى النخب الروسية الحاكمة، بأنه سيعمل على تطبيع العلاقات الثنائية، وإطلاق تعاون شامل حول جميع القضايا مع روسيا واعتبارها شريكاً في الشأن الدولي، كان الوضع في جنوب سوريا، وليس الأزمة السورية ككل، هو الملف الوحيد الذي توصلت موسكو وواشنطن إلى اتفاق حوله. وخلال قمتهما في هلسنكي صيف عام 2018، أعلن فلاديمير بوتين ودونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق حول إبعاد الإيرانيين والميليشيات التابعة لهم عن تلك المنطقة. بالنسبة لترامب كان الهدف بالدرجة الأولى التوصل إلى اتفاق يضمن أمن إسرائيل، وكان كذلك بالنسبة لبوتين، إلا أن هاجسه الرئيسي استغلال الاتفاق للدفع نحو “شراكة” روسية-أميركية عبر التسوية السورية، وقال بوضوح خلال مؤتمر صحافي في أعقاب القمة إن حل قضية تسوية الأزمة في سوريا “قد يصبح مثالاً للعمل الثنائي الناجح” بين البلدين، وأضاف “لا شك في أن روسيا والولايات المتحدة قادرتان على تولي الزعامة في هذه المسألة”. أما ترامب ومع إشادته بالتعاون مع روسيا أكد في الوقت ذاته أنه “ليس هناك بعد أي اتفاق بين قواتنا المسلحة (الأميركية والروسية في سوريا)، لكنها تتعاون بشكل جيد”. غادر ترامب البيت الأبيض، وبقي التعاون المنشود في سوريا وحول الملفات الأخرى مجرد سراب.

في الوقت الراهن يبدو أن روسيا ترى أنها فرصة تاريخية قد لا تتكرر بعودة “إدارة أوباما” فعليا إلى البيت الأبيض، إذ كان الرئيس الحالي جو بايدن نائباً للرئيس في عهد أوباما، بينما كان جون كيري، مبعوث بايدن حاليا لقضايا المناخ، وزيراً للخارجية في عهد أوباما. ويبدو واضحا أن روسيا تبذل قصارى جهدها لعدم تفويت الفرصة، والاستفادة من الإدارة الحالية، إن لم يكن لتحسين مجمل العلاقات مع الولايات المتحدة، فعلى الأقل للتعاون في تسوية الأزمة السورية، لأنه لا خيارات أخرى أمام الروس، وإلا فإنهم، دون تسوية بمشاركة الغرب، لن يتمكنوا من تحقيق أي تقدم في سوريا، لاسيما في موضوع إعادة الإعمار الذي يأملون أن يجنوا عبره الحصاد الاقتصادي الأهم لتدخلهم في الأزمة السورية.

في سياق هذه الرؤية يمكن القول إنه، ورغم تصريحات حازمة على لسان كبار ممثليها، مثل الوزير لافروف والمندوب في الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، عبروا فيها عن رفضهم القاطع لتمديد آلية المساعدات الدولية العابرة للحدود إلى السوريين، عادت الدبلوماسية الروسية ودفعت نحو صيغة توافقية على قرار التمديد. ومن غير الواضح بعد ما إذا كانت هناك بالفعل صفقة روسية-أميركية خلف التوافق على القرار، إلا أنه من الأكيد أن خيارات موسكو لم تكن محدودة فقط، بل كانت شبه معدومة، ذلك أنها كانت ستجد نفسها في موقف معقد للغاية لو لم يتم التوصل إلى صيغة وسط، وكانت ستغامر لو استخدمت الفيتو مجدداً، بنسف كل ما تقول إنها تفاهمات أسس لها الرئيسان الروسي والأميركي خلال القمة في جنيف. وفي الوقت ذاته تحاول روسيا عبر موافقتها على التمديد لمدة ستة أشهر، قابلة للتمديد ستة أشهر أخرى، تأكيد “حسن نواياها” لإدارة بايدن، على أمل إطلاق محادثات معها حول الملفات الأخرى. وتبدو في الوقت ذاته كأنها تمنح الإدارة الأميركية مهلة ستة أشهر لتؤكد حسن نواياها ايضاً ومدى استعدادها للتعاون.

ومن جديد تعول روسيا على تحول في العلاقة مع الولايات المتحدة، انطلاقاً من “التعاون حول التسوية السورية”، وهو ما عبرت عنه تصريحات المسؤولين الروس، ومنهم فاسيلي نيبينزيا، الذي قال: “نأمل أن يكون هذا (قرار التمديد) نقطة تحول في علاقتنا. هذا بالضبط ما ناقشه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي جو بايدن في جنيف. وهذا يدل على قدرتنا على التعاون “. هذا حرفيا ما قاله نبينزيا وفق ما نقلت كلامه وكالات أنباء حكومية روسية.

واستعداداً للمرحلة التالية من محادثاتها مع الجانب الأميركي حول التسوية السورية، سارعت روسيا إلى “رفع سقف” مطالبها، وتريد من الغرب إعادة الإعمار بغض النظر عن التقدم في العملية السياسية، وعوضاً عن “الانتقال السياسي” تدعو إلى “إصلاحات هيكلية سياسية” أو “إصلاحات، مع بقاء الأسد”، وهو ما عبرت عنه على لسان ألكسندر لافرينتيف، المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا، الذي قال في آخر حوار له بعد انتهاء جلسات أستانة-16، في كلام موجه للغرب: “حان الوقت للابتعاد حقاً عن ممارسة الضغط الأقصى على البلاد (سوريا) (…) من الضروري الانتقال إلى تنفيذ برامج أكثر جدية لترميم مرافق البنية التحتية المدمرة (…) من الواضح أن الكثير سيعتمد على القرارات التي ستتخذ في سياق إضعاف نظام العقوبات المعمول به ضد سوريا (…) من القضايا التي يجب الانتباه إليها تنفيذ التحولات الهيكلية السياسية، والإصلاح السياسي، خاصة منذ أجريت الانتخابات الرئاسية وأعيد انتخاب بشار الأسد لولاية جديدة. أعتقد أن هناك الآن فرصة جيدة للمضي قدماً بهذه العملية”.

المصدر: المدن

  • طه عبد الواحد كاتب صحافي مختص بشؤون روسيا والجمهوريات السوفياتية سابقاً