أحمد جاسم الحسين: نرجع ولّا ما نرجع؟.. المؤقت والدائم في حياة اللاجئين السوريين

الاثنين 19 تموز/يوليو 2021

إثارة النقاش حول فكرة: “نرجع، ولّا ما نرجع؟” على أنها خيار فردي، تشير إلى تهميش للشروط الموضوعية المحيطة بالعودة أو عدمها، فالفرد ومن يرتبط معهم بعلاقة لا يحدّدون وحدهم إمكانية تحققها، بل الظروف المحيطة بحيثيات الرحيل التي تتحكم إلى حدّ كبير بإمكانية وقوع العودة أو عدمها، من مثل أسباب حدوث السفر، وهي متنوعة: سياسية، اجتماعية، فكرية، دينية، نجمت عن ظرف المآل السوري المرير.

أن تبقى على جسر اللاستقرار، والتردّد، وعدم الحسم، يعني أن يتغول في حياتك اليومية والعابرة: مكان وأشخاص وخيارات، وتبتعد عن الاستراتيجي، وتؤجل كثيرا من القرارات بانتظار حدوث لحظة العودة، التي تأخرتْ أكثر مما تريد، ولا تريد ان تسلِّم نفسك إلى لحظة الاستقرار، التي جاءت على غير ما خططتَ له، أو طمحت إليه، أو أردته.

لحظةُ العودة لا تملكُ توقيتها، وقد خرجتَ نتيجة ظرف كان موجوداً ولم يزل، فأنت “تستطيع ولا تستطيع” تحديد لحظة العودة، إلى الوراء، أو التقدم إلى الأمام، لتراكم القناعات والأفكار أمامك وخلفك، انكسارُ حلمك ليس سبباً كافياً لتعود.

قدرُ كثير من السوريين والسوريات أن يسكنوا على “جسر المؤقت والانتظار” نحو أكثر من عقد من الزمان، ويغدو أثرهم في إحداث لحظة التغيير المؤسِّسة لفعل العودة شبه معدوم. وأن يعيشوا حياة مؤجلة، تستمرّ لسنوات، وأن تصبح تفاصيلهم مؤقتة، وأن لا يستمتع كثيرون منهم، كما يجب، في اللحظة الحاضرة، بل يرمي فرحه نحو اللحظات القادمة.

تأجيل لذة التفاصيل اليومية

تقول صديقةٌ تحاول أن تهرب من الاعتياد على الحياة المؤقتة في مغتربها، وقد مرّ عليه نحو عقد من الزمان: شراشف السرير، والفرشة غير المريحة، اللمبة المحروقة أجَّلتُ تغييرها أشهراً، لأنه يمكن أن يسقط النظام الديكتاتوري في أي لحظة ونعود!

فعل ذلك من قبل فلسطينيون وعراقيون ولبنانيون، منهم من “كسر على أنفه بصلة” وعاد منكسر الأحلام منهزماً، ومنهم من بقي يطوف عشرات السنين في بلاد عدة، ومنهم من انتصر الاتجاه الفكري أو السياسي الذي يؤمن به، وعاد منتصراً!

صديقة أخرى أجّلت شراء طقم الفناجين الذي تحبه بانتظار اللحظة الأخرى، لحظة الاستقرار، صارت لحظات فرحها مؤجّلة، وصديق آخر كلما همّ بشراء منزل، غيّر رأيه، في اللحظة الأخيرة، على أمل أن يستعيد بيته الدمشقي!

صديق آخر كلما نبض قلبه يقول لي: الأفضل أن أؤجل هذا الموضوع إلى مرحلة العودة إلى البلد، هناك خيارات الزواج أكثر، لا أريد أن أصارحه وأقول له: استمتع باللحظة الحالية الطويلة يا صديق، مرّ عقد وأنت تبني بيوتاً من تأجيل وانتظار!

ذكور وإناث

يرى صديق مشغول بالنظر إلى العالم بعيون جندرية أنَّ قدرة النساء على اقتناص لحظة السعادة من الآني أكثر من الرجال، الذين يميل نفرٌ كبير منهم إلى عيش حياة مستقرة، يكرّسها المجتمع في أذهانهم بصفتهم الربّان، حيث يمكن أن يبدؤوا بتجهيز البيت كمدخل إلى حالة مستقرة، على أمل أن تشاركه فيه صبية، يرتبط معها لاحقاً.

 تردّ عليه صديقة تتفق معه: نحن الصبايا نعيش في بيوت أهلنا فترة مؤقتة زمنياً، وإنْ كان تعاملنا معه أنه دائم الأثر وجودياً، سيكون أول شخص يتذمر منا فيه: الأم، التي تنتمي إلى النوع نفسه، حيث ستقول بصفتها ناطقة باسم السياق الاجتماعي ذي الطابع الذكوري: “مطولة حضرتك عنا”؟

ويتعامل كثير من الأهل مع صباياهم على أنّ حضورهن في البيت حالة مؤقتة، وكثير من الصبايا تتعلم من ذلك الشعور بالعيش المؤقت القدرةَ على المزج بين المؤقت والدائم، فيضفْن مثلاً جديداً:

 “تعاملي مع بيت أهلك كأنكِ مغادرته غداً، واشعري بالديمومة فيه كأنك لا تفارقينه أبداً!”

وعلى الرغم من كون المكوث في بيت الأهل، غالباً ذا طابع مؤقت، زمنياً، لكن على مستوى الشعور بالأمان والدفء هو الأكثر ديمومة، ريثما تصل الصبية إلى مرحلة بناء دفء بيت خاص فيها، وهو أمرٌ ليس بسريع التحقّق والديمومة!

في الثقافة الغربية الأمر مختلف، فالشاب والفتاة يمرّان بمرحلة عبور بيت الأهل، التي تنتهي غالباً بنهاية الثامنة عشرة من العمر، بعدها ينصرف كلٌّ منهما إلى حال سبيله، ريثما يجد شريكاً يقوم معه ببناء البيت وتأثيثه، لذلك لا يعيشان الصراع، الذي يعيشه كل من الشاب والفتاة في المجتمع الشرقي، لكون البلدية تساعد في عدد من الخطوات، إضافة إلى أن روح المجتمع وفلسفته الحالية تقوم على تشجيع فكرة “الفردانية”، وليس فكرة الخيارات المجتمعية كما يحدث في الشرق.

متى تعودون إلى بلادكم؟

السؤال اليومي الذي يسمعه سوريون من عدد كبير من الأوروبيين (جيران وزملاء عمل) يومياً: إنْ توقفت الحرب في بلدكم، وسقط الرئيس ونظامه هل ستعودون؟

نختصر الجدل فنقول: لا نعرف تماماً، لكن كلما بنينا ذكريات وتاريخاً وعلاقات، يغدو التفكير بالعودة أمراً صعباً.

يحاولون حصارك بإجابة أكثر تحديداً، كمن يريد أن يتأكد من حبيبته أنها تحبه، فيرغب بسماع كلمة “أحبك” بالفم الملآن، لتجيب: يعني بالنسبة لنا نحن ضحايا الذاكرة الذين عشنا ثلاثين أو أربعين عاماً هناك، فرصة العودة لبلادنا قوية جداً، أما أولئك الأطفال الذين نشؤوا هنا وترعرعوا، فنظن أنه من الصعب أن يعودوا نهائياً!

 ونعدّد لهم الأسباب على مستوى اللغة والتواصل والشعور، وشبكة العلاقات والمستقبل، والاندماج ومفهوم المواطنة في ظل الوصول إلى فكرة المواطن العابر للأمكنة، خاصة في عصر كل من دولة: تويتر وفيسبوك وتيلغرام وإنستغرام وسنابشات وواتساب.

على المستوى الفكري تأجيل الاستمتاع بلحظات العيش الحالية، موازنة بين الغرب والشرق، ثقافة شرقية بامتياز، فيما يتفنن الغربي بعيش اللحظة الحاضرة مهما كانت عابرة وقصيرة، ينشغل الشرقي بالمؤجل لأسباب دينية واجتماعية.

في مطلع عام 2014 التقيتُ بدبلوماسي هولندي، كان مكلفاً بالملف السوري وسألته على سبيل الاستشارة والنصيحة: هل تنصحني أن أتعلم اللغة الهولندية وأسعى إلى عمل، أو أبحث عن مشروع ما، وأشتري أثاث بيت جيد، وسيارة، أم أن السفرة قصيرة كما أتوقع وسنعود قريباً؟

ردّ على أسئلتي بعد نظرة طويلة: لا تحسب أن القوى الدولية والإقليمية قادت بلدكم إلى هذه التهلكة، كي تنتهي مشكلتكم خلال سنة أو سنتين، أنصحك بترتيب أمورك لتعيش على الأقل عقداً من الزمن وربما عقدين!

 وتابع: ربما هناك قادم أسوأ ينتظر بلادكم! وقتها كنا نحسب أن “جبهة النصرة” أسوأ اختراع ظهر على الأرض السورية، لكن حين جاءت داعش وسواها، وحاولت إعادة الزمن إلى الوراء فهمنا أن ثمة ما هو أسوأ دائماً.

في تلك اللحظة، حسبتُ أنني ألتقي مع أبرز متشائم على وجه الكرة الأرضية، وكلما مرّت الأيام وصحت مقولته، وتقلص حلمنا، تحضر صورته أمام عيني، أيّ حالم أنا، وأيّ آخر هو!

من سيعود من السوريين ولماذا؟
  •  عائدون زائرون: هؤلاء من السوريين اللاجئين، الذين حصلوا على جنسية أخرى، وبنوا كثيرا من منجزهم، وجرّبوا خيرات دولة الرعاية الاجتماعية، ورغد العيش والشعور بالأمان، ومعطيات الديمقراطية وأجواء الحرية، “قسم منهم يفعلها الآن عبر الزيارات القصيرة المعلنة وغير المعلنة”. كثير من الأطفال والشباب السوريين كذلك لديهم رغبة بالعودة، زائرين لأيام أو أسابيع، للتعرف إلى بقية العائلة أو إلى الذكريات الجميلة التي حدثتهم عنها الأم أو الأب.
  • عائدون دائمون: هؤلاء ما يزالون يعيشون عذابات اللجوء، وفقدان الأوراق الرسمية في الدول المجاورة، بل باتت تُسَنُّ لهم قوانين خاصة لمحاصرة تفاصيل يوميات حياتهم، هذه الفئة لو أزيلت أسباب اللجوء وأمنت على حياتها لعادت أسرع من سواها.
  • عائدو الشأن العام: بهدف أن يحققوا خططهم وأحلامهم بالبناء أو القيادة أو المساهمة بقيادة المجتمع، أو ممن لديهم طموحات سياسية أو دينية أو اجتماعية أو إعلامية أو سواها.
  • عائدو عالم رجال الأعمال: سيحدد إيقاع عودتهم فرص عالم الاستثمار وإعادة الإعمار المنتظرة، سينشغلون بآليات التبادل التجاري، والاستيراد والتصدير، وربما لكي يكونوا وكلاء للشركات العالمية.
  • عائدو الشوق: تلك شريحة غير معروفة العدد، قوامها الحنين والحب، ستجذبها رائحة الوطن، ولحظة تذكر، ولهفة إلى شارع، لحظة استقرار، أو رغبة بالموت على ترابه. لدى كثير منهم لهفة في القلب لقريب أو حبيب! يستندون إلى مخزون عاطفي، قوامه أن العودة إلى الأوطان تاريخياً، بعد تحررها، أو سقوط الأنظمة الاستبدادية ستتجاوز كثيرا من الحسابات العقلانية، إذ ستكون تلك اللحظة لحظة شوق مجنونة، لا تحسب لظروفك أو ظروف الحبيب طريقاً، بل ستصرخ بأعلى صوتك، وأنت تركض إليها تضمها: “بحبّك يا تراب سوريا!”

عائدون إليها، مهما أبعدتهم حسابات الظروف عنها، باتوا يميلون إلى لحظة سكينة، بعد ذلك التعب الثقيل، فالرحلة طالت والطريق موجعة، ومعظم الأحبة ضاعوا على مفارق لحظات الانتظار، وحين مرّ أمامهم من يحبّون، كانت الغفوة قد تسربت إلى عيونهم، التي هي تنتظر لحظة مؤجلة، قد تأتي أو لا تأتي.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

  • أحمد جاسم الحسين كاتب سوري