عبد الباسط سيدا: وزير خارجية الصين في ديارنا

الثلاثاء 27 تموز/يوليو 2021

بالتزامن مع بداية التدوير الرابع لحكم بشار الأسد (17 يوليو/ تموز 2021)، هذا الحكم الذي فرض على السوريين قبل 21 عاماً بانقلاب “دستوري” كان امتداداً لانقلاب والده عام 1970، الذي سيطر بموجبه حينئذٍ على مفاصل الدولة السورية، بعد أن تمكّن من إزاحة “رفاقه” المنافسين…

بالتزامن مع هذا التدوير، زار وزير خارجية الصين، وانغ يي، دمشق، ليلتقي مع بشار نفسه ووزير خارجيته؛ ويعلن من هناك عن مبادرةٍ جوهرها المحافظة على نظام بشار، ورفع العقوبات عنه؛ وهي مبادرةٌ تنسجم مع الموقف الصيني من الموضوع السوري منذ بدايات الثورة، وهو الموقف الذي تجسّد باستمرار في الفيتو المزدوج الروسي – الصيني لإسقاط أي قرار في مجلس الأمن، كان من شأنه إدانة النظام في حربه على السوريين الثائرين على استبداده وفساده.

وكان من الواضح أن رسالة بشار في توقيت تلك الزيارة مع موضوع “أداء القسم” تندرج في إطار إخراج الفصل الأخير من مسرحية إعادة التدوير، وهي المسرحية التي كانت بإشراف ودعم روسيين، ومباركة إيرانية. والبصمات الروسية واضحة في المشاهد الاستعراضية الخاصة بالجلسة التي نقلت من “مجلس الشعب” إلى “قصر الشعب”، ومظاهر المبالغات التي أضفيت على وصول بشار الأسد إلى القصر، ودخوله المتأخر على الحضور المغلوب على أمره. ذلك كله بغرض إسباغ هالة من العظمة على من يعلم الجميع أنه لم يكن في مقدوره الاستمرار في الحكم لأشهر، إن لم نقل، لأيام، لولا الدعم الروسي والإيراني المستمرين له منذ اليوم الأول للثورة، بل وقبلها.

أما الخطاب الإنشائي الممل الذي قدّمه بالمناسبة، وكان مادة للسخط والتندّر على أوسع نطاق، فقد تضمن من المغالطات والتزييف والتسويف والنزعات العدوانية والانتقامية ما فاق كل خطاباته السابقة، وهذا ربما يجد تفسيره في أن صاحب هذا الخطاب بدأ يشعر بشيءٍ من الاطمئنان إلى مستقبله الشخصي، بعد دعواتٍ عربيةٍ عدة تطالب بإعادة نظامه إلى جامعة الدول العربية، وعلى إثر تصريحات أميركية علنية عن حرص الولايات المتحدة على تغيير سلوك نظامه، لا تغيير النظام نفسه.

وبالعودة إلى زيارة الوزير الصيني إلى سورية، وإعلانه عن حرص بلاده على ضم سورية إلى مشروع “الحزام والطريق”؛ نرى أن هذه الخطوة تعدّ جزءاً من التغيير العام الذي حصل، ويحصل، على المستوى العالمي نتيجة بروز الصين قوة اقتصادية عملاقة، تنافس القوة الاقتصادية الأميركية؛ وهي تسعى باستمرار إلى نسخ أحدث التقنيات وامتلاكها، وتطوير قواها العسكرية، استعداداً لتحدّيات نظام عالمي جديد يقوم على أساس تعدّدية الأقطاب.

ومن الواضح أن الدور الصيني المستقبلي يتناغم ويتوافق مع توجهات غالبية أنظمة الحكم المستبدّة في العالم، ومنها الحكم السوري، وكذلك الحكم الإيراني الذي سبق له وأن عقد اتفاقية طويلة الأجل مع الصين في ميدان الاقتصاد. فالصين لا تعطي أي اعتبار لمسائل حقوق الإنسان عامة، ولا لحقوق المكونات المجتمعية على وجه التحديد. كما أنها تعتمد نهج تحكّم الحزب الواحد بالحكم، أو بكلام أدقّ تعتمد أسلوب الحزب القائد. وضمن هذا الحزب تكون هناك مجموعة محدودة تهيمن على القيادة، وتتحكّم في مفاصل الدولة والمجتمع. ولهذا، نرى أن الصين تدعم بقاء الأنظمة المستبدّة المتعاونة معها، ولا تعطي أي اعتبار لتطلعات الشعوب والقيم الديمقراطية التي تعتبرها مهدّدة لتوجهاتها ومصالحها، ومزعزعة لبنية نظام حكمها. وإذا استمرت الأمور هكذا، سنجد مستقبلاً مزيدا من الاتفاقيات في عدة مجالات بين الصين والأنظمة الاستبدادية في مختلف أنحاء العالم.

ومن الواضح أن روسيا، هي الأخرى، تسير في هذا الاتجاه، وتجد هذا التوجه في مصلحتها؛ ويُشار في هذا السياق إلى مدى امتعاضها من الدعوة التي وجهها الرئيس الأميركي، جو بايدن، في بداية عهده، ونعني بذلك دعوته إلى تمتين العلاقات بين الأنظمة الديمقراطية في العالم، وحماية الأنظمة الديمقراطية عبر معالجة الثغرات والعيوب التي تعاني منها، خصوصا في ظل مناخ تصاعد النزعات الشعبوية في عديد من تلك الأنظمة. ويُشار هنا إلى الظاهرة “الترامبية”، على وجه التحديد، التي لم تعد تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل امتدت تأثيراتها إلى أنظمة ديمقراطية عديدة معروفة بعراقتها واستقرارها، فعلى المستوى الداخلي، يؤدّي تنامي النزعات الشعبوية التي تدغدغ غالباً الميول العنصرية والمشاعر الدينية والقومية وتوجهات الانعزال، إلى تشكّل مجموعات متشدّدة، وتيارات سياسية، تتناقض توجهاتها وسلوكياتها مع القيم والقواعد التي يستند إليها النظام الديمقراطي أساساً، ويستمد منها مشروعيته أصلاً، خصوصا تلك التي تشدّد على ضرورة احترام إنسانية الإنسان بغض النظر عن دينه وقوميته، أو عرقه وجنسه، أو لون بشرته.
كما أن التقنيات الحديثة قد مكّنت الدولة بصورة عامة، لا سيما في بعدها العميق، من مراقبة المواطنين في أدقّ تفصيلات حياتهم، الأمر الذي يفرض عليهم شعوراً بالقلق والتخوف والتحسّب من التعبير عن آرائهم بصورة صريحة. هذا مع الاعتراف أن هذا التقدّم قد أسهم، من جهة أخرى، في زيادة إمكانية التواصل بين الناس، خصوصا من خلال منصّات التواصل الاجتماعي، وشبكات الاتصالات. ولكن هذه التقنيات باتت سلاحاً ذا حدّين، لأن حكومات عديدة تسعى عبر الشركات الكبرى المهيمنة عليها إلى توجيه الميول والمواقف العامة، وحتى التأثير في الانتخابات، سواء الداخلية أم انتخابات الدول الأخرى. ولعل ما كان، وما زال، من حديثٍ واتهامات بشأن الانتخابات الأميركية، والتدخل الروسي فيها، يعد المثال الأوضح في هذا المجال.

ولكن الخطر الأكبر الذي يواجهه النظام الديمقراطي على المستوى العالمي يتمثّل في تزايد عدد الأنظمة الديكتاتورية، وتحوّل أنظمة ديمقراطية عديدة إلى شبه ديكتاتورية، من خلال قوى وأحزاب أتقنت لعبة إفراغ العملية الديمقراطية من مضامينها، على الرغم من حفاظها على شكل تلك العملية. كما استطاعت التلاعب بالقواعد الديمقراطية، واستغلال الثغرات لتعزيز نفوذها، وفرض هيمنتها على السلطتين، التشريعية والقضائية، وذلك بهدف امتلاك مزيد من الأدوات التي تجعلها في موقع القادر على إبعاد الخصوم والمعارضين الواقعيين والمحتملين عن مراكز التأثير.

ويُضاف إلى تلك العوامل عامل هام يتشخص في اعتماد بعض الأنظمة الديمقراطية على الأنظمة الاستبدادية في مناطق عديدة، للحفاظ على مصالح الشركات الكبرى التي تضغط عبر الدولة العميقة باتجاه بناء العلاقات مع تلك الأنظمة، والتعامل معها بوصفها الضامن للمصالح، وعدم الاكتراث بتوجهات الشعوب في تلك البلدان وتطلعاتها. وهكذا تؤدّي تلك الأنظمة دور المتعهد الذي يتكفّل بضبط الأمور تحت اسم الاستقرار، وهي تحظى مقابل ذلك بسياسة غض النظر تجاه ممارساتها القمعية، وانتهاكاتها المستمرة حقوق الإنسان في مواجهة الرفض الشعبي العارم لها.

ومع بدايات ثورات الربيع العربي، كان هناك اعتقاد عام بأن الأنظمة الغربية الديمقراطية قد وصلت إلى قناعةٍ تنصّ على دعم التوجهات الديمقراطية لشعوب منطقتنا التي عانت، وما زالت تعاني، من الاستبداد والفساد. وعلى الرغم من التصريحات التي أطلقها مسؤولون غربيون عديدون في هذا الاتجاه، والخطوات والإجراءات التي أوحت بإمكانية رفع الغطاء عن الأنظمة الاستبدادية؛ إلا أنه تبين، في المحصلة النهائية، أن تلك التصريحات والإجراءات لم تتجاوز دائرة رفع العتب، ولم تحصل الشعوب على الدعم المطلوب الذي كانت تحتاجه وتستحقه. وهكذا تمت عملية إعادة إنتاج الأنظمة القديمة التي كانت الشعوب قد ثارت على استبدادها وفسادها؛ وهي الأنظمة التي تستفيد اليوم من واقع تعدّد الأقطاب في السياسة العالمية، وتعمل على توثيق الروابط مع القطب الذي يمنحها ضماناً أقوى للاستمرارية، من دون أن يلزمها بمراعاة الحقوق، سواء على مستوى الأفراد أم الجماعات. وهذا ما يطرح أمام الأنظمة الديمقراطية التي تريد تجاوز الثغرات والعوامل التي تهدّدها في الداخل ومن الخارج، مسألة ضرورة إعطاء الاعتبار لتطلعات الشعوب المتعطشة إلى امتلاك الحريات التي تمكّنها من تقرير مصيرها، بما يضمن حياة حرة كريمة لشعوبها، ومستقبلاً أفضل لأجيالها المقبلة، وذلك كله بعيداً عن تحكّم الأنظمة المستبدّة الفاسدة المفسدة.

المصدر: العربي الجديد

  • عبد الباسط سيدا كاتب سوري