مالك داغستاني: ديموقراطية نعم إسلاميون لا

الثلاثاء 3 آب/أغسطس 2021

كانت القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد مناسبة لعودة السجال الذي أثير صيف عام 2013، بعد إطاحة العسكر بالرئيس المنتخب في مصر واستيلائهم على السلطة. ما جعل صيف ذاك العام أكثر سخونة لا سيّما عربياً. لا يبدو يوم تونس شبيها بأمس مصر، أقلّه لجهة أن ما جرى لم يكن تحركاً انقلابياً عسكريا، وإن بدا أنّه تم بالتنسيق مع الجيش وقوات الأمن، وأيضاً لجهة أن القرارات أطاحت بحكومة وبرلمان للإسلاميين فيهما دور ما، لكنه محدود. أقول دور ما بسبب أنهم يشكلون أكبر كتلة في البرلمان، وليس أغلبية.

لن أخوض هنا بدستورية تلك الإجراءات (يبدو أنها لم تنتهِ بعد) التي أقدم عليها الرئيس التونسي، وسوف أحاول مجادلة السجالات التي تبعت تلك الإجراءات.

يؤكد العديد من العارفين بالشأن التونسي (للأسف لست منهم) أن هناك تأييدا ليس بالقليل لتلك الإجراءات، وهذا مفهوم مع انتشار للفساد والفشل في مواجهة وباء كوفيد 19، والتدني المريع للمؤشرات والحياة الاقتصادية. نعم، تأييد شعبي لإجراءاتٍ، هي بالأعراف المألوفة في البلدان الراسخة بالتجربة الديمقراطية، تبدو حالة انقلابية موصوفة بمواجهة برلمان منتخب. ولن يبررها بحال من الأحوال أن يكون المرء خصماً للإسلام السياسي، مع التأكيد بأن الخصومة السياسية يجب أن تكون من الحقوق المحفوظة لأي طرف، خلال اللعبة الديموقراطية.

بعد انتخابات أجريت في الجزائر نهاية 1991، فازت في جولتها الأولى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عبد القادر حشّاني، انقلب الجنرالات الجزائريون على تلك النتائج، وأوقفوا ما عرف يومها بالمسار الانتخابي. أجبروا الرئيس الشاذلي بن جديد على تلاوة بيان استقالته الذي كتبوه بأنفسهم، لتبدأ بعدها الصدامات المسلحة ودورة عنف ستستمر لحوالي عشر سنوات. الانقلابيون ادّعوا أنه ينقذون الجزائر من الوقوع تحت سيطرة الإسلاميين المتطرفين. هذه العملية الإنقاذية كلّفت الجزائر ربع مليون ضحية، وخراب على عديدِ من المستويات، لم يتم التعافي منه حتى اليوم.

تصادف في تلك الفترة أنني كنت في سجن صيدنايا. وللمفارقة بدا لي أن صديقاً معتقلاً بتهمة الإخوان المسلمين كان سعيداً ومرتاحاً لإجراء العسكريين الجزائريين. على العكس منه، كان لي موقف حاسم ضد تدخل العسكر في المسار الانتخابي. في سجال بيننا اكتشفت أن صديقي يمتلك من سلامة الحدس والذكاء ما يكفي ليتخذ موقفه ذاك. تبريره أن الإسلاميين ليسوا مؤهلين بعد ليكونوا في السلطة، وإن وصولهم لها سيحرقهم سريعاً في أثناء ممارستهم لها، وهو لا يريد لهم هذا الفشل، الذي سيؤدي إلى فشلهم الحتمي في الانتخابات التالية كما يعتقد، ويجعل كامل مستقبلهم السياسي، مع أقرانهم في المنطقة، موضع شك. على ذات الأرضية، كان موقفي، مع فارق أنني كنت أريد لهم أن يُختبروا في السلطة، بعد أن اختبروا لسنوات طويلة في المعارضة، وكنت مثله أحدس بأنهم سيفشلون، من دون أن أتمنى ذلك. هذا الفشل سيجعلهم أرضيين (عكس سماويين) في نظر جمهورهم، وسيجعل هذا الهوى التاريخي لدى الجمهور يرتجّ، ليدرك أن اللعبة هنا في السياسة والمصالح والاقتصاد والإدارة، وليست في التعاليم السماوية.

بعد أكثر من عشرين عاماً من ذاك السجال الوديّ مع صديقي، وصل رئيس مصري إخواني إلى موقعه عبر صندوق الانتخابات. ليثبت بالممارسة أن الإسلاميين بسياساتهم، يجعلون المرحلة الانتقالية بالغة الصعوبة. فهوى الناس أن ينتخبوهم في مجريات اللعبة الديمقراطية، لكنهم لا يجيدون التعايش مع المختلف، حتى وإن صرّحوا بغير ذلك. والجوّ الديمقراطي ليس واحداً من مناخاتهم، ولا ملعباً من ملاعبهم أساساً. أليسوا هم المستخلفين على الأرض؟ الواقع يقول إننا في بلدان غالبية شعوبها، ستنتخبهم، بسبب إخفاقات باقي التيارات، إضافة إلى ضعف إرث وتجارب التنافس السياسي، والكارثة الأكبر أن هناك من لا يريد الانتظار ليسقطهم عبر اللعبة ذاتها، بحجة أنهم لا يقبلون بالنتائج القادمة لو لم تأتِ لمصلحتهم. وهذا ما لم يختبر بعد، أقلّه في منطقتنا العربية. وكان أنه هدّم العسكر تلك التجربة، وسط تهليل ليس قليل من خصوم الإسلام السياسي، مما أوصل مصر إلى ما وصلت إليه اليوم، من حالة ديكتاتورية عسكرية، مع عشرات آلاف المعتقلين، وفشل على جميع المستويات.

تجربة إيران تعطي مؤشرات ليست إيجابية. يستشهد بها كثير من الديمقراطيين، بصفتها تجربة تم تفصيلها بإحكام لإقصاء الآخر المختلف، واللعب ضمن اللون الواحد، وهذا صحيح. التجربة التركية تمنح بعض الإشارات الإيجابية إلى حد بعيد. ولكن لم تختبر بعد نتائج إقصاء التيار الإسلامي عبر الآليات الديمقراطية، فيما لو حدث، بعد أن استمروا بالحكم بفعل الصناديق لعقدين تقريباً. يردّ البعض هذه الاستمرارية لشعبوية الخطاب، الذي ينطلي على البسطاء، وهذا تفسير قاصر، لمن عايش إلى حد ما التجربة التركية. في انتخابات البلدية قاوم حزب العدالة والتنمية فوز الخصم، وأعادوا الانتخابات في إسطنبول، لكنهم رضخوا في النهاية لفوز الخصم ثانية، بعد أن جعلوا، بفضل مقاومتهم تلك، وليس بفضل أي شيء آخر، اسم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو المغمور ذا شهرة عالمية. مع ذلك ما زالت تجربة الانتخابات في تركيا نزيهة إلى حدّ كبير.

ليس هناك كتاب بعنوان “تعلّمْ الديموقراطية في خمسة أيام” لنطبق دروسه ونلتحق بباقي شعوب الأرض. هناك واقع وتجارب يجب أن تخوضها شعوب المنطقة وأحزابها، ستتعثر في أحيان كثيرة لحداثة التجربة، وفي كل تعثُّر ستتعلم الشعوب، وقبلها الأحزاب كيف تصوّب تلك التجربة. أمّا أن يرحب اليساريون والعلمانيون والقوميون بكل حالة انقلاب على المسار الديمقراطي، بحجة معايب نتائجه في حالة وصول الإسلاميين للحكم، فتلك هي الوصفة الأكثر نجاعةً للحفاظ على الاستبداد، والبحث الدائم عن زعيم سوف يقتل أي أمل بالإصلاح، بعد أن نكون قد صفقنا طويلاً لانقلابه على خصومنا السياسيين. الفائز في الانتخابات قد يكون خصماً سياسياً، وشعبوياً كما نصفه، وإن كان كذلك فسوف يفشل بالممارسة الواقعية. أما من يكسر صندوق الانتخابات بحجة عدم تقديس الصندوق، وفشل الخصم الفائز في حل المشكلات الإدارية والاقتصادية وحتى بحجة استشراء الفساد، كما يحدث في تونس الآن، فهو عدوّ، أقلّه عدو للتطور باتجاه حياة سياسية أنضج.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

  • مالك داغستاني كاتب سوري