جمال الشوفي: فزاعات بلا محصول.. سوريا والتصحر العام

الأحد 15 آب/أغسطس 2021

لم يكن السوريون هياكل، ولم تكن سوريا يوماً مجرد معابد وأصنام. السوريون ليسوا آلهة ولا من أقطاب العالم المتقدم. سوريا، والتاريخ السابق ومجريات الحاضر تثبت، أنها نقطة التقاء الحضارات العالمية وعقدة اتصالها الثقافي والكوني، والسوريون محبو الحياة ورعاة الحضارة، هم مكتشفو الأبجدية الأولى، وبناة أقدم مدن وعواصم التاريخ، وقبلة العالم بكل نزعاته الشريرة في الهيمنة أو الخيرة في الاتصال والتواصل.

اليوم السوريون في كارثة نادرة الحدوث تاريخياً، فالتهجير والتغيير الديموغرافي وصراع العالم على قمة قطبيته العالمية يحدث من وعلى سوريا، وتكاد سوريا تصبح بشعبها وخيراتها وموقعها، صحراء للعبث وتوالد الفزاعات الأيديولوجية والسياسية والثقافية، وكل صنوف الهياكل الخشبية وقد ارتدت حلة بشرية ليس إلا.. وليتها كانت فزاعات لطرد البشر والطير من سرقة المحصول كما هي وظفيتها حين اكتشفها الفلاح تاريخياً، لكنها اليوم لتعزيز التنازع والهيمنة والسطوة واستقدام كل صنوف الاحتلالات والأيدي الخارجية للمزيد من العبث وطرد الآخر المختلف وإقامة الحواجز بيننا، عرقياً وطائفياً، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

الفزاعة! وما أدراك مالفزاعة؟ الفزاعة عودان من الخشب يكفي أن تصلبهما، وتعلق عليهما ثياباً قديمة تحاكي منظر الرجل، ينصبها الفلاح في مواسم الصيف حتى يطرد الطيور نهاراً من التهام المحصول، ويوهم البشر الطامعين بسرقة محصول سراً ليلاً، أن رجلاً يحرس المحصول.

التصحّر اليوم لا يطال البنية الزراعية في بلد يعتبر من أولى دول المنطقة في الزراعة. فسوريا تحتل المراتب الأولى في زراعة القمح والقطن والحمضيات والزيتون وغيرها.. لكنها، كما الأعوام السابقة باتت تحتاج كل هذه الزراعات ولا تنتجها. وأسباب هذا متعددة من حرب ودمار وتهجير للفلاحين الأوئل، وهذا جزء من حاضر اليوم الذي بات مفقراً من كل جوانبه، وفزاعات الاقتصاد السوري وسياسة حاكمي الأمر الواقع فيها تطرد كل رجال الأعمال والخبرات السورية من العودة لموطنها، حتى تبقى هياكل خشبية بألوان متعددة تمتهن التهريب والتخريب وزراعة المخدرات والإتجار بها والحفاظ على هيمنتها السلطوية ولو على قدر شبر من الأرض.

وليس فقط، فثمة فزاعات للفكر والثقافة والرأي الحر، فالتصحر اليوم يطال كافة البنى المعرفية في هذا البلد. تصحر فكري وثقافي، تصحر سياسي، تصحر أخشى أن يكون بنيوياً لا يمكن علاجه إلا بمواسم الهجرة والرحيل، وهذه الفكرة باتت مصدر رعب وتوجس دائم! وما يثير دهشتك درجة الإعياء، أن غالبية الأحزاب السياسية، وهذه متكاثرة بشدة، والتجمعات والمنصات المدنية، والكثير من الصفحات الإلكترونية الفكرية والثقافية والكتابة والصحافة، غالبيتها، وليس كلها، فالتعميم ظالم، تمارس دور الفزاعات هذه، ولا ترغب بفتح ممرات الحوار والتواصل بقدر طرد المختلف عنها، لتحرس ما أوتيت من رزق يكفي أصحابها رغم التصحر والجفاف العام. فلا غرابة أبداً أن تجد بين هذه وتلك، من ما يزال يقبض على حرارة الانتماء والبحث عن المشترك العام والعمل بوجدان مرتفع محيّداً مصالحه الفردية والأنانية الضيقة، هو من يصاب بآلاف الطعنات من زجرات الخذلان والتهكم والتخوين وكل صنوف الرياء والكذب، فالموسم موسم فزاعات وجفاف، والبحث عن حلول فردية حتى ولو على حساب كل شيء وأي شيء.

لم يمر على هذه البلاد موسم جفاف وتصحر كالذي نعيشه هذا الزمن. فعدا عن الفاقة والحاجة اليومية وسياسة إفقار الناس الممنهجة، وارتهانهم للأتمتة والتقنين اليومي في الكهرباء والوقود والمأكل والمشرب، حتى في الخبز. أيضاً تقنين وفلترة للحلول السياسية العامة ومنع التغيير الذي يفضي لدولة المواطنة وعزة المواطن وكرامته، للرأي الحر وقدرة الكلمة على اجتياح النفوس في تحرير طاقتها العامة وجنيها الثقافي المختلف عن سياسة الرق والعبيد. ومع هذا الجفاف العام الذي لا نهاية للحديث في تفاصيله، ثمة فزاعات هنا وهناك، على قدر حقل ما، لا يتسع إلا لصاحبه أو مالكه، ويدهشك هذا التكاثر المفرط في أنواعها وأنماطها.

ثمة مقاربة فكرية للنماذج المتكاثرة بنزعتها الخلاصية الفردية، سواء كانت أفراداً أو جماعات، قاربها فلاسفة الحداثة في علاجهم لمشاكل المجتمعات المتقدمة والحديثة والأوروبية خاصة، في مواجهة التواصل الرقمي ونتاجاتها وانعكاساته السلبية على الأخلاق وطرق معاش الناس في التفكك العام وتغليب لغة الجني والمصالح على القيم والمبادئ والأخلاق، مفادها أنه لا يمكن للأخلاق منفردة مواجهة هذا الامتداد المفرط للمصالح، بل ثمة ما يجب أن يتواصل البشر عليه في إنتاج فعل تواصلي يقيم جسور الحوار حتى وإن كانت المصالح مختلفة. ما يتطلب تفكيك البنى الخشبية والأيديولوجية وتعريتها من ردائها الرث حتى لا تمارس دور المعيق أيضاً بجوار ومرافقة قوى الأتمتة والتواصل الرقمي، فكلاهما، وحسب فلاسفة الحداثة في نقد مجتمعاتهم، فزاعات تمارس دورها السيء في بناء الحضارة البشرية وتسير به نحو الاختلال والتهافت الحضاري، حسب أمين معلوف، فهل يمكننا، نحن السوريين، نحن سكان الشرق الحافل بالروح والمعنى أن نساهم بهذا الفعل أيضاً؟ هل يمكننا أن نمارس النقد بلا ريبة وارتياب؟ أن نمارس التواصل بلا غيبة واغتياب؟ أن نمارس الفعل المولد لحوار الفكر والثقافة دون أدلجة وقص ولصق، وتمرير مقص الرقيب الأمني على حرية الكلمة؟ هل يمكننا أن نهدم فزاعاتنا وهياكلنا الخشبية ونعيد بناء لغة التواصل والحوار؟ حتى وإن لم يكن سينتج سياسياً بالوقت القريب وهذا للعقدة الدولية الحالية التي طالما تكلمنا عنها، بل حتى يستعيد السوريين قدرتهم على بناء المشترك والهم والوطني بينهم والذي باتوا على مقربة من فقدانه كلية! وتزايد الفزاعات في كل شؤون حياتهم دليل على هذا.

هل نعدد هذه الفزاعات أم انها معروفة للقاصي والداني؟ ففزاعات أولياء الأمر وسلطات الأمر الواقع، حيث تتعدد سلطات الأمر الواقع في اختلاف الجغرافيا السورية. فزاعة التطرف في الشمال السوري، وفزاعة الحكم الذاتي شرقه، وفزاعة الطائفية غربه وبالساحل، وفزاعة عصابات الخطف والميليشيات الطائفية في جنوبه. وهذه متعددة الألوان ومختلفة بين درعا والسويداء، ومجريات أحداثها الأيام الماضية تشير إلى وجود فزاعات ميليشوية طائفية ومالية تريد طرد البقية من أهالي درعا البلد، وتهجير من بقي منهم فيها، وفزاعات للخطف والسلب وتجارة المخدرات والمشاريع الطائفية الضيقة في مدينة السويداء.. وفزاعات لا تعد ولا تحصى في الفكر والسياسة والثقافة.. وفوق الجميع فزاعة الحكم السياسية، هيكل خشبي تحرسه التوازنات الدولية، لا يحتاج سوى لهبة هواء سياسية في اختلال المصالح هذه حتى يسقط ويتشظى، وهذا مرتهن لرغبة سياسات الهيمنة العالمية في تفتيت ما بقي من تاريخ هذه المنطقة.

لم يكن مستغرباً أن أشاهد بإحدى القرى النائية “الفزاعة”، في حقول الفلاحين. ولكن المدهش أنني لم أرى أسراب الطيور التي تفزع منها، ولم أرى موسم الفلاح هذه المرة يحتاج لفزاعة، فلا الموسم في عصر الجفاف هذا يستأهل، ولا الطيور باتت تحط في ديارنا رفوفاً كما كانت في السابق. وصورة الفزاعة هذا العام كانت مختلفة، وكأنها لوحة تحاكي حاضرنا الجاف والطارد بجفافه لأسراب الطيور وحريتها بالأساس، كما الطارد لمواسم الغلال والجني الوفير، حين كانت الأرض تمن علينا بخيراتها، والوقت كان موسم طيور وفرح، لكنه اليوم وقت حزن وجفاف وتصحر، فهل سنرضى بعصر الفزاعات هذا أم سنعيد إثبات حضورنا التاريخي والقيمي والحضاري إذا ما عريناها من بقايا ثيابها الرثة أيديولوجياً ومصلحياً وسياسياً وثقافياً؟

المصدر: ليفانت نيوز

  • جمال الشوفي كاتب سوري