عمار ديوب: الموالون بعد خطاب القسم

الأحد 22 آب/أغسطس 2021

تضمن خطاب القسم للرئيس بشار الأسد رؤىً، وفق تفسير مستشارته لونا الشبل. إذاً ليس لخطاب القسم أن يضع خارطة طريق، أو برنامجاً للدولة، يخرجها مما هي فيه من أزمة عامة، وتغطي كافة أوجه الحياة. الخطاب مخصصٌ فقط للرؤى والتنظير، واتهام المعارضين والرماديين بأنهم عملاء وليسوا وطنيين، والكثير من هذا الكلام.

صفع الرئيس مواليه بشدةٍ، إذ كانوا ينتظرون فرجاً، فقد أملوا بحياةٍ أفضل طيلة عقدٍ كامل؛ كان عقدٌ من الحروب والموت والخراب والفقر والذل والحزن والاحتلالات. هم الآن يَحسدون من فرَّ من البلاد، ويريدون الهجرة إلى البلاد المهزومة في الحرب، كما جاء على لسان شابٍ من الساحل السوري عبر بث مباشر على فيس بوك، لقي رواجاً كبيراً بين السوريين، حيث أصرَّ متهكماً على حكايا الإعلام السوري بأنه “شَبِعَ انتصارات” ويريد السفر إلى بلدٍ مهزومٍ، كفرنسا وبريطانيا وأمريكا وسواهم. التهكم هذا كان قبل خطاب القسم، وبعده سخر الشاب من حكاية تنقيص مخصصات مادة الخبز للفرد السوري، فكيف سيشبع من لم يعد يجد إلا الخبز على مائدته كوجبة رئيسية؟

الكاتب قمر الزمان علوش، كتب بمرارة شديدة، بعد خطاب القسم وتفسير المستشارة له، بأنه كان من أوائل من وقف مع الوطن والرئيس، “كنت خائفاً على الرئيس.. ولكنني الآن بت خائفاً منه حقاً”، وأرفق بوسته الفيسبوكي بأنه سيغلق صفحته، أي هو يشعر بالخذلان العميق؛ وهو شعور أغلبية الموالين.

كثرت الأصوات المنددة بالنظام بعد القسم. حكاية “خلصت” منذ 2011 تبيّن أنها محض أدلجة، وليس من تغيير قريب، أو إنصاف للناس على حد تفسير لونا الشبل، أكدت أن الرئيس لم يعدكم بشيء. إذاً كانت تلك محض أوهامٍ، بينما الواقع أن السوريين الموالين “قاتلوا وصمدوا من أجل أنفسهم فقط”. كانت السردية الشائعة لدى الموالين أنهم انتصروا للنظام، ومنعوا سقوطه، وضحوا بأولادهم وحياتهم، ووقفوا ضد الثورة من أجل ذلك. تبين أن ذلك كله كان خطأً، ولهذا عليهم ألا “يمننوا” النظام ورئيسه، وأن يبادوا إلى “تدبير”رؤوسهم، وحياة عائلاتهم، التي فقدت الكثير من شبابها في حروب النظام منذ 2011.

الأزمة الاقتصادية تتضاعف يومياً، سيما أن سعر الدولار مقابل الليرة السورية ثابت في الأشهر الأخيرة، بينما الأسعار لم تتوقف عن الزيادة، والأسوأ رفعُ سعر الخبز والوقود والسكر وزاد الطين بلة قرار إغلاق المحلات في الثمانية مساء، ولقيَ رفضاً شعبياً واسعاً، ولأوّل مرة أغلق التجار في حلب محالهم، معلنين إضراباً عاماً، وشللاً كاملاً للأسواق. النظام قام برفع الأجور ليخفف من وقع الزيادات، فإذا بالناس تتدهور حالتها أكثر فأكثر، وتبيّن أن رفع الأجور لتحصيل الضرائب وليس لمساعدة الناس على تلبية احتياجاتها.

الموالون، ليس لأغلبيتهم أقارب في الخارج “الإمبريالي”، فهم ظلوا “وطنيين” وفي خدمة النظام، وبالتالي ليس لهم مصادر أخرى للعيش، ومصادرهم هي رواتبهم وأعمالهم، وأراضيهم. الأخيرات شحيحات، وهناك أزمة وقود، عدا عن غلائها، وهناك أزمة كهرباء مهولة وأزمة ماء، وغياب الأعمال، وبالتالي هنا حالة تأزّمٍ شديدة بأوساط الموالين، ولا سيما في الساحل السوري. لقد بدؤوا يرون أن النظام فشل في مواجهة الأزمة، ولا يملك حلاً لأية قضية؛ فالطوابير بازدياد وعلى كافة الاحتياجات، وعدد الفقراء الذي زاد عن 85 بالمائة. إذاً النظام فشل، والموالون يغرقون في لجة الفقر وربما المجاعة غداً.

أجرى النظام مؤتمراً سابقاً للاجئين، وكرّر المؤتمر ذاته قبل أكثر من أسبوع. كان الشاعر الموالي صقر عليشي قد كتب عن ذلك قائلاً: إياكم والعودة، وبمعنى آخر، لقد كنّا “هبلاً” حينما “صمدنا” ولم نركب البحر أو الجو أو البر، وننجو من الهلاك الذي نحن فيه. المديرة السابقة للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ديانا جبور، قالت مؤخراً: “إلى الهجرة الجماعية من البلاد”.

تم تصنيف الموالين كذلك، لوقوفهم إلى جانب النظام وضد الثورة وشعبها 2011. الآن لم يعد للثورة من وجودٍ “علني”، وتغلبت عليها الفصائل الإسلامية أو الفصائل التابعة لتركيا وهناك قسد، وكذلك انتصرت روسيا وإيران عليها، وسُلمت مناطق كثيرة للنظام. لم يعد يرى الموالون ثورة ولا فصائل، ولا شعوراً بالخوف من داعش أو النصرة أو “السنة” القادمين إلى ذبحهم، وضمن الموالين هناك سنة أقحاح، وكان لهم الشعور ذاته ذات يوم، والآن تغيّر شعورهم ذاك، كما أغلبية المواليين والرماديين، وربما الثوار أيضاً. المهم أصبح الموالون يشعرون بأنهم ليسوا بتهديدٍ من الثورة وأنصارها. وتعزز ذلك مؤخراً مع إطلاق الشباب المسلحين في درعا سراح مئات الجنود والضباط، ودون أن يلحقوا بهم أية أضرار أو قتلهم. يرى الموالون أن التهديد الجديد يأتي من النظام وأثرياء الحرب، والفساد، والأجور الضعيفة، والغلاء الفاحش، وضاعف ذلك إخراج رامي مخلوف من دائرة السلطة والمال والنفوذ، أي أن شعور الموالين “العلويين” أصبح تعيساً ومشوشاً، وغاضباً من سياسات النظام، وسؤالهم، كيف يتمُّ إبعاد شخصية أساسية في السلطة وعلوية بجرة قلمٍ عن نهب ثروات سوريا، وهناك من يرى شخصيات “سنية” أصبحت تتولى مناصب هامة في عالم المال والسلطة.

لم يتبلور وعي دقيق لدى الموالين بأن النظام كان سبب الثورة في 2011، وهو هو سبب الأزمة العميقة الآن، وأن تغييره والثورة عليه هي الحل لهم ولبقية سوريا. هم يفكرون في أوضاعهم التي تزداد سوءاً، ويصوبون نقدهم للنظام باعتباره لم ينصفهم أبداً. هنا قضيتهم بالتحديد. لا شك أن مواقفهم إزاء بقية سوريا حدث بها تغيّر ما، ولكن تجذّر الوعي الطائفي والقومي من جهة، والخوف من القمع الوحشي من جهة أخرى، في “السوريات” هما ما يمنع تشكل الوعي الواقعي، أو لنقل يمنع طرح الأسئلة الجادة والتفكير العقلاني بما حصل في سوريا ويحصل الآن.

كما لم يتغير وعي الموالين، كذلك لم يتغير وعي الثوار، بل إن السرديات القديمة، ما زالت تعشش في الأدمغة. ومع ذلك، وعكس الفكرة السابقة، إن تجربة “الموالين والثوار” المرّة ولعشر سنوات وأزيد، أوضحت الكثير من جوانب الفساد والكذب والأدلجة الرخيصة، وتوظيف الدين والمذهبية والطائفية لإعماء العين عن الواقع الكارثي، الذي كان سائداً في سوريا قبل 2011، وممارسة النظام والمعارضة المكرسة منذ ذاك التاريخ وإلى الآن تكرس الوعي ذاته.

الموالون الآن في “بوز المدفع”، وكذلك من يقيم تحت سلطة النظام. يعرف الموالون أنهم هم الأكثر تضرراً الآن، فالأبناء الأقوياء ماتوا في الحرب، والنظام لديه مصالحه، ومشكلاته مع الدول الإقليمية، وهو ضعيف إزاء الاحتلالات، ولكنهم ضحوا أكثر مما يستطيعون، وهم يعيشون بأسوأ أشكال الحياة ويشعرون بالخذلان.

هل ستتفجر بيئات الموالين؟ كان الأمر قد بدأ في السويداء ودرعا في السنوات القليلة السابقة، والآن حلب، وستكون كما تفجرت كل الشعوب العربية طيلة عشر سنوات، أي انفجارات شعبية، وغير مدارة من أحزاب وقوى سياسية. الشيء الواقعي جداً، أن الأوضاع الاقتصادية أصبحت كارثية، والاجتماعية في غاية التأزّم، والنظام أصبح بنظرهم هو المشكلة الحقيقية لأزماتهم؛ أي كما كان في 2011. فهل تعي المعارضة وجملة الفاعلين السوريين الواقع الشديد التأزّم هذا، ويتقدمون ببرامج ومواقف وسياسات وطنية، تتجاوز الانقسامات الأفقية التي أصبحت عميقة في سوريا.

المصدر: ليفانت نيوز

  • عمار ديوب كاتب سوري