محمد حبش: طالبان.. صحوة الإسلام السياسي

الأربعاء 25 آب/أغسطس 2021

قدمت الأحداث المتسارعة في أفغانستان والانتصار الماحق لحركة طالبان على القوة العسكرية الكبيرة للجيش الأفغاني المدرب أميركياً صورة بالغة الوضوح لقدرة الدين على التحشيد والإقناع عبر خطابه الغيبي ومشاعره العنيفة المستقرة في النفس البشرية.

وأثارت الأحداث بقوة سؤال الإسلام السياسي الذي يتجه العلمانيون إلى اعتباره لوناً مباشراً من الإرهاب، ويطالبون بالتعامل معه على أساس أمني، وبدون تردد فإن كثيراً من العلمانيين يصطفون بشراسة ضد الإسلام السياسي ويبررون في سبيل محاربته إلغاء الحياة البرلمانية بالكامل وعودة الاستبداد.

ويمضي كثير من المحللين إلى اعتبار الدين شأناً ماضوياً وأنه فقد تأثيره في خضم الربيع العربي، وأنه بات عبئاً على الحياة السياسية، وأن حضوره ليس إلا حضور الإرهاب نفسه.

ولكن التطورات الأخيرة أثبتت عكس ذلك، حيث إنهار البرنامج الأميركي في أفغانستان لفصل الدين عن السياسة، وظهر أن التدين لا يزال أقوى عوامل التحشيد والإقناع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فقد نجحت حركة طالبان في تحشيد الشعب الأفغاني للوقوف في مواجهة حلف الناتو والجيش الأميركي والبرامج الاستراتيجية التي رصدت لتحويل التفكير الأفغاني نحو قيم الحداثة والعولمة وبناء نظام ديمقراطي على النمط الغربي.

فكيف يمكن تفسير هذا التحول في سياق السنن الاجتماعية؟.

يكتب الفلاسفة أفكارهم بترتيب منطقي، ويناظرون عليها بحجج المنطق وبياناته ومقدماته ونتائجه وأرقامه، ويستخدمون برهان العقل والنقل، ولكنهم في النهاية لا يحققون الانتشار الذي حققه الأنبياء، وفيما يحظى الفيلسوف بعدد من الدارسين والمتابعين يحظى الأنبياء بمئات الملايين من المؤمنين بعزيمة وإصرار والمستعدين للتضحية والفداء وفق خطاب الغيب في أعلى درج اليقين.

قناعتي أن الأنبياء لم يكتبوا فلسفة عميقة ولكنهم عزفوا على أوتار صحيحة!

ومرادي من ذلك هو التوجه إلى أصدقائنا العلمانيين الذين يعتبرون أن الأمور محسومة تماماً وأن التدين تحول إلى مجموعة من العقد النفسية والأسئلة العقيمة وأن خروج الناس من الأديان هو مسالة وقت، وأن العقلاء متفقون على أن وجوب الفصل بين الدين والسياسة وأن الحقائق الدينية لن تصمد أبداً أمام الحقائق العلمية والبرهانية.

ولكن الواقع يقول غير ذلك، حيث يبدو الإسلام السياسي شريكاً في قيام المجتمعات وسواء أعجبنا أو لم يعجبنا هذا التوجه فلا يمكننا أن نجحده ونكفره، وهو موجود ويتعاظم ويتنامى في الأمم ضمن سياقات سننية متشابهة يدركها الجميع.

الإسلام السياسي موجود ويزدهر في تركيا والمغرب والجزائر وماليزيا وأندونيسيا، وهو يعاني في مصر وتونس، ولا يزال في البرلمانات الفعالة يشكل القوة الأولى أو الثانية في هذه الدول، وقد كشفت الانتخابات الأخيرة في الجزائر عن تقدم متواصل للإسلام السياسي وعلى الرغم من العشرية السوداء وتبعاتها المريرة ولكن الشعب الجزائري أظهر في الانتخابات الأخيرة تفوقاً جديداً لصالح الحركة الإسلامية في البلاد.

والأمر نفسه في الجانب الشيعي أيضاً فإيران والعراق واليمن لا تزال تحت التأثير الماحق للعمامة السوداء، ومن خلال فتوى دينية للمرجعية يتأسس الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في إيران والحوثي في اليمن وهي هيئات عنيفة وقوية قامت بابتلاع الدولة وفرضت نفسها في المشهد السياسي سواء في ساحات الحرب أو في مقاعد البرلمان.

الدراسات والإحصاءات العالمية المحايدة تشير إلى أن 83% من سكان الأرض ينتمون إلى دين ما، وأن 17% لا ينتمون إلى أي دين، وإن كان هؤلاء ليسوا بالضرورة ملاحدة منكرين للخالق.

إن إنكار العلمانيين للإسلام السياسي هو كإنكار الإسلاميين للمطلب العلماني، وتتمترس كل من الطائفتين خلف إيديولوجياتها التي تقضي بأن الآخر إقصائي وإلغائي، تدفعهم لارتكاب الحماقة نفسها، وحين تستمع إلى خطاب العلماني في نضاله ضد الإسلاميين فأنت تقف أمام المشهد نفسه الذي يقدمه الخطاب الأصولي المتطرف الرافض للمشاركة العلمانية.

اتركوا الناس تعتقد ما تشاء، ولا تتدخلوا بين الخلق والخالق، ولكن وفروا للناس وسائل الديمقراطية والمساواة سواء اختارت اسم الديمقراطية أم اسم الشورى وفي النهاية فإننا سنصل معاً عبر صندوق الاقتراع إلى عقد اجتماعي نقيمه على أساس الشورى أو على أساس الديمقراطية.

الدين لا زال قوياً، وهو قادر على التحشيد في الحياة الاجتماعية، وهو حاضر بقوة برموزه وقيمه ومثالياته حتى في أعرق الديمقراطيات في العالم، فألمانيا يحكمها منذ سبعة عشر عاماً حزب الاتحاد المسيحي، والصلبان موجودة على أعلام 21 دولة في أوروبا وفي بعضها صليبان وفي العلم البريطاني أربعة صلبان اثنان قائمان واثنان مائلان وهو رمز صليب القديس أندراوس شفيع سكوتلاند، ولا زالت الملكة تحظى بلقب رأس الكنيسة.

وحين نطرح هذه الإشارات فإننا نواجه عادة باعتراض منهاجي وهو أن هذه الرموز في الأعلام الأوروبية لا تحمل أي مضمون تشريعي فليس في المسيحية قانون حدود أو قانون جهاد بل هي مسالة قيم وأخلاق ومثل، يوافق عليها الأوروبيون في سياق فصل الدين عن السياسة، ومع أن الكلام ليس دقيقاً على إطلاقه، ولكن لا بأس فقد حقق التنوير الإسلامي القدر نفسه من الوعي الذي تحقق في الوعي المسيحي، وفي 53 دولة من أصل 57 دولة إسلامية يطرح الإسلاميون قوانين عادية تماماً في العقاب ويسمحون بتطوير كبير فيه، وعلى سبيل المثال فقد توقف قطع اليد في العالم الإسلامي كله وبقي نادراً ومحدوداً في إيران والسعودية، أما الرجم مثلاً فقد توقف في كل العالم الإسلامي، بل إن القوانين العقابية في سائر البلاد الإسلامية باستثناء أربع دول باتت تنص على عقوبات مدنية وإصلاحية تجاوزت كل الفقه التاريخي واستندت إلى الفقه الجديد، وفي السياق نفسه فقد تم تجاوز كل النصوص التمييزية على أساس، وباتت القوانين تنص على كافة مواد حقوق الإنسان، وقد تم ذلك كله في سياق دساتير تنص صراحة على دين الدولة الإسلام وتنص على مكانة عالية للفقه الإسلامي في التشريع.

وفي قناعتي فإن الشعوب الإسلامية لا تحتاج أكثر من هذه الرموز لتشعر بالطمأنينة والرضا، ويقوم الفقهاء المتنورون بدور أساسي في تطوير الفقه الإسلامي، وتبقى بعض المشكلات مع الواعظين الذين يصرون باستمرار على مزيد من القيود الدينية، ولكن ذلك يتم تجاوزه بسهولة في العالم الإسلامي حين تطرح التحديثات في سياق فقه إسلامي متنور، وأن التنوير يمكن أن يسير بثقة متوازياً مع الإيمان.

الدين لا زال قادراً أن يكون قوة التأثير والتغيير، وقد أمكن تاريخياً تحقيق أعظم النجاح في صدور التشريعات الحديثة حينما انطلقت هذه الرؤية من احترام قيم الأديان، ولكنها في الوقت نفسه تسببت في حروب أهلية حين أصرت على تحقير الخطاب الديني وازدرائه.

إن سقوط العمائم في المرحلة الأخيرة، وفشل كثير من الواعظين في احترام الناس والترويج لسلسلة من الفضائح تلاحق كثيراً من المشاهير في الخطاب الديني لم تنعكس سلباً على حضور الخطاب الإسلامي، بدليل الجماهير المليونية التي تتابع رموز الخطاب الديني وتزداد صعوداً كلما أظهر هذا الشيخ تصلباً في عقيدته وقدرة على تحقير خصومه وهو ما ينذر بمزيد من الانقسام المجمعي.

إن كلمة السر للتحول بالدين من قيمة سلبية قامعة للحريات والمساواة إلى قوة حقيقية لا تكمن في البرامج الأمنية والعسكرية والحربية التي تقودها التحالفات الدولية وعلى رأسها أميركا والناتو، بل إن كلمة السر هي تشجيع التنوير الديني ودعم الإصلاحيين الإسلاميين الذي يريدون تطوير الإسلام بأدوات الإسلام ذاته، والذين يقدمون قراءاتهم النقدية على بساط من احترام القيم الدينية وتفسير الأخطاء والكوارث التاريخية في سياق سنني لا يستلزم تحقير الآباء ولا ازدراء الأبناء.

المصدر: نورث برس

  • محمد حبش كاتب سوري