محمد سيد رصاص: المد والجزر في الحياة السياسية

الاثنين 6 أيلول/سبتمبر 2021

أنزل الحزب الشيوعي العراقي مليون شخص إلى احتفال الأول من أيار/مايو 1959 في بلد لم يتجاوز العشرة ملايين. في ذلك الوقت كان هناك شخص اسمه محمد باقر الصدر يعيش في مدينة النجف، وكان قد أسس قبل قليل حزب أسماه (حزب الدعوة)، يراقب الصعود في المد الشيوعي، لذلك فكر في كتاب مضاد للفكر الماركسي أسماه “فلسفتنا”، وأمام الضعف في الحركة الإسلامية اتجه السيد الصدر للتعاون الوثيق مع (الحزب الإسلامي) الذي هو الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين. وعندما جرى الصدام بين (حزب الدعوة) ونظام صدام حسين في عام 1980 وما حصل من إعدام السيد الصدر، كان واضحاً أن (حزب الدعوة) هو أقوى من الشيوعيين في ضاحية الثورة ببغداد والتي كانت معقلاً للشيوعيين وفي عموم العراق، وهو ما ينطبق على فترة ما بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حيث بان أن القوى الإسلامية الشيعية العراقية (حزب الدعوة- الصدريون- التنظيمات التي أنشأتها عائلة الحكيم من المجلس الأعلى إلى تيار الحكمة) هي المتصدرة لكل الانتخابات البرلمانية التي جرت منذ عام 2005 وحتى 2018.

هنا، يمكن لذلك المشهد العراقي أن يكون معبراً أكثر ،عندما نشير إلى أن الشيوعيين كانوا أقوى من (الحزب الديمقراطي الكردستاني) في الخمسينيات بوسط الكرد العراقيين، ولكن هذا الوضع لم يعد قائماً في الستينيات والسبعينيات. أخذ (الدعوة) و(الديمقراطي الكردستاني) من قوة الحزب الشيوعي، التي كانت تستند للشيعة والكرد العراقيين، مما يفسر الجزر في القوة الشيوعية والمد عند الإسلام الشيعي العراقي بالسبعينيات وعند الحركة القومية الكردية، وهو ما ساعدت عليه توجهات طائفية عند حزب البعث الحاكم في بغداد واضطهادات قومية عند البعثيين للكرد العراقيين.

ولكن العراق لم يكن مفرداً في ذلك، فالحزب الشيوعي السوري وحزب البعث كانا أقوى من جماعة الإخوان المسلمين في الخمسينيات، وقد بان هذا عام 1957عندما دعما محامياً شاباً، هو رياض المالكي، ضد المراقب العام للجماعة الشيخ مصطفى السباعي في انتخابات برلمانية فرعية بمدينة دمشق، حيث هزم السباعي، وقد أصيب بالفالج بسبب ذلك. في سوريا والعراق عاش الشيوعيون مداً سياسياً في النصف الثاني من الأربعينييات ومرة ثانية عندما استفاقوا وتعافوا من ضربات السلطات في النصف الثاني من الخمسينيات، وهو شيء نجده في سودان 1946-1971 وفي مصر 1945-1958، حيث يلاحظ استقطاب الشيوعيين العراقيين والسودانيين للطبقة العاملة ولطلاب وخريجي الجامعات، فيما استقطب الشيوعيون السوريون الطلاب في المدارس الثانوية وفي الجامعة، كما استقطبوا الأبناء المتعلمين من خريجي الجامعات لعائلات غنية في مدن دمشق وحمص وحلب، الشيء الأخير الذي نجده في مصر، إضافة إلى ظاهرة مصرية شيوعية بالأربعينيات والخمسينيات وهي أن الوجوه الكبرى في الثقافة والأدب كانت شيوعية. باستثناء السودان، حيث استقطب الشيوعيون مزارعي منطقة الجزيرة، فإن الشيوعيين العرب عانوا من فقدان النفوذ أو ضعفه البالغ في الريف، فيما استند حزب البعث في سوريا بشكل كبير إلى الوسط الريفي في حوران وفي الساحل وفي ريفي حماة وحلب، وكذلك في العراق حيث كان نفوذ البعثيين بالنصف الثاني من الستينيات قبل وصولهم للسلطة عام 1968 متركزاً في البلدات الصغيرة (تكريت- هيث- عانة) وفي المدن غير الكبرى (الرمادي- سامراء)، ومعظم تلك البلدات والمدن بغالبية سنية عربية. في هذا الصدد، يمكن القول بأنه كما فقد الشيوعيون العراقيون مركز القوة الأولى في وسط الكرد بالستينيات والسبعينيات، فإن الحزب الشيوعي السوري فقد ذلك المركز في الثمانينيات.

في السبعينيات، لم يدخل العروبيون، أي الناصريون والبعثيون، في مرحلة الجزر لوحدهم، بل شاركهم الشيوعيون في ذلك. منذ السبعينيات بدأ المد عند الإسلام السياسي، وقد ظهرت قوة الإسلاميين المصريين في الانتخابات البرلمانية بعامي 1987 و2005 ثم فازوا في الانتخابات الرئاسية عام 2012، وفي الجزائر فازت (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) بأغلب مقاعد البرلمان قبل أن يقطع الانقلاب العسكري في 11 يناير 1992 المجرى الانتخابي ويمنع الجولة الثانية من الانتخابات، وفي تونس فاز الإسلاميون بالمركز الأول في الانتخابات البرلمانية لأعوام 2011 و2014 و2019، وفي اليمن كان الإسلاميون بفترة 1990-2011 بفترة صعود قوي حسب المؤشرات الانتخابية.

هنا، يمكن تلمس بداية دخول الإسلام السياسي في مرحلة الجزر منذ سقوط حكم الإسلاميين في مصر في الثالث من يوليو 2013، وخاصة مع فشلهم في تجارب الحكم بمصر وتونس، ومع انقسام الحركة الإسلامية بين الأصوليين الإخوانيين وبين التيار السلفي- الجهادي ممثلاً في تعبيرات محلية لتنظيم القاعدة (جبهة النصرة مثلاً في سوريا) أو تعبيرات عابرة للحدود مثل تنظيم “داعش” الذي انشق عن تنظيم القاعدة في يوم 9 نيسان/إبريل 2013، ووجد امتدادات له في سيناء وليبيا ونيجريا وباكستان وأفغانستان تتبع مركزه العراقي- السوري. ترافق بداية جزر الحركة الاسلامية مع موقف مضاد للإسلاميين عند الأميركان والأوروبيين بخلاف فترة 2011-2013 ومع موقف مضاد جديد للإسلاميين عند المملكة السعودية ودولة الإمارات.

كتكثيف: المد والجزر في الحياة السياسية هما حالة طبيعية في التاريخ السياسي. هناك حركات تموت بعد دخولها في حالة الجزر، مثل الأحزاب الراديكالية ،التي ورثت تقاليد اليعاقبة في الثورة الفرنسية، في فرنسة وأميركا اللاتينية، وكان أحد زعمائها كليمنصو. هناك أحزاب تستطيع تجديد نفسها وتتجاوز الجزر للدخول مجدداً في مرحلة المد السياسي، وهو ما نجده الآن مثلاً عند الشيوعيين في أميركا اللاتينية، وأبرزهم الحزب الشيوعي في تشيلي، أوعند الشيوعيين في الهند. عند العرب الآن  كل التيارات السياسية، من إسلامية وعروبية وماركسية، في حالة الجزر السياسي.

المصدر: نورث برس

  • محمد سيد رصاص كاتب سوري

مقالات أخرى للكاتب