عبد المنعم علي عيسى: شرق الفرات في خريف شبيه لنظيره عام 2019

الاثنين 13 أيلول/سبتمبر 2021

تراكمت في الأسابيع القليلة الماضية العديد من المؤشرات التي توحي بأن خريف شرق الفرات المقبل قد يشهد تكراراً لسيناريو كان قد شهده قبل عامين، أي في العام 2019، عندما قامت تركيا بعملية عسكرية أطلقت عليها اسم «نبع السلام» وأدت، من حيث النتيجة، إلى سيطرتها على المناطق الحدودية الواقعة بين تل أبيض بريف الرقة وبين رأس العين بريف الحسكة، ففي يوم 7 تشرين الأول 2019 الذي سبقه قبل 24 ساعة اتصال هاتفي بين الرئيسين الأميركي السابق دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان، أشارت تقارير ميدانية إلى إخلاء الأميركيين لقاعدة «تل أرقم» الحدودية في رأس العين، ما اعتبر في حينها إفساحاً للمجال أمام تقدم القوات التركية، والفصائل الموالية لها، لكي تنجز الهدف المعلن من تلك العملية، والذي قالت عنه أنقرة آنذاك أنه يتمثل بإبعاد «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، التي تعتبرها الأخيرة منظمة إرهابية، عن الحدود بعمق يصل إلى 30 كم، ولم يكد يمضي يومان على ذلك الانسحاب حتى انطلقت «نبع السلام» التي توقفت في 25 تشرين الأول، بعيد توقيع أنقرة اتفاقين لوقف إطلاق النار الأول مع موسكو في 17 من ذلك الشهر، والثاني مع واشنطن في 22 منه، وبعيد الإعلان التركي عن أن العملية قد حققت المرامي المرجوة منها تماماً.

حملت أشهر الصيف المنصرم الكثير من التطورات في مناطق شرق الفرات التي كانت تتسم عموماً بالتصعيد الذي لم يكن من جانب واحد فحسب، فالمؤكد هو أن «الإدارة الذاتية» كانت قد مارست فعل الاستفزاز، الذي وإن لم يكن عسكرياً من جانبها، إلا أنه كان حاملاً في طياته العديد من الخطوات التي تصب في خانة تعميق انفصال مناطق سيطرتها عن الجسد الأم، وفي الغضون راحت أنقرة تمارس فعل اصطياد قادة ميدانيين في «قسد»، واستهداف تجمعات ومقرات لهذه الأخيرة في دير الزور والرقة والحسكة على حد سواء، عبر استخدام الطائرات المسيرة التي جرى استخدامها بكثافة لافتة، والفعل إذ يشير، عبر اتساع رقعة الاستهداف، إلى أن «القفزة الرابعة» المحتملة خريف هذا العام سوف تستهدف هذه المرة تفكيك منظومة «الكيان الكردي السياسية والعسكرية القائمة راهناً، بعد أن جهدت القفزات الثلاث: «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام»، بتقطيع أوصاله جغرافياً لوأد الفكرة في ذهنية المصممين، الذين أثبتوا مؤخراً أن الفكرة لن توءد في أذهانهم ولو بقي كيلو متر مربع واحد تحت سيطرتهم.

أشارت العديد من التقارير في الآونة الأخيرة إلى أن القوات الأميركية كانت قد نفذت بدءاً من الأول من شهر أيلول الجاري انسحاباً من قاعدتي «تل بيدر» و«قصرك» الواقعتين على طريق M 4 شرق ناحية تل تمر باتجاه ناحية الشدادي الواقعة 50 كم إلى جنوب مدينة الحسكة، والحدث يستعيد سيناريو العام 2019 من حيث الشكل والمضمون، فالانسحاب الذي إذا ما أضيفت إليه عوامل أخرى من نوع السعي الذي ذهبت واشنطن إليه مؤخراً نحو تشكيل كيان عسكري قوامه العشائر العربية المتأصلة في المنطقة، يشكل لا شك مناخاً مناسباً للقيام بعمل عسكري تركي ضد قوات «قسد»، ناهيك عن التصعيد السابق الذكر الذي يهدف إلى خلخلة سيطرة تلك القوات وإفقاد ثقة جمهورها بها وخصوصاً لدى أولئك الذين ارتأوا فيها سلطة أمر واقع لا بديل منه حالياً.

لم تنطلق العملية العسكرية التركية الرابعة بعيد يومين من انسحاب القوات الأميركية من قاعدتي «تل بيدر» و«القصرك» كما حصل في خريف العام 2019، والراجح أن التأخير ناجم عن خلاف حول التفاصيل بين أنقرة وواشنطن من جهة، وبين الأولى وموسكو من جهة ثانية، وانطلاقتها تتوقف، إلى حد بعيد، على توصل ذلك الثالوث إلى نقاط تلاق تتضمن الهدف النهائي لها، والحدود التي يمكن أن تصل إليها، وفي التقديرات فإن الهدف الراهن لأنقرة من وراء عمل كهذا يبدو محتملاً، بل تشير العديد من التطورات إلى وجود تفاهمات تركية أميركية لم تتبلور حتى الآن إلى اتفاق على نحو ما حصل يوم 6 تشرين الأول 2019، هو السيطرة على منطقة الدرباسية على الحدود التركية السورية بعمق لا يقل عن العمق الذي ذهبت إليه «نبع السلام»، ولربما كانت ناحية عامودا، الحدودية هي الأخرى، هدفاً لتلك العملية، وهو أمر إن حصل فسيكون تطوراً مهماً يشير إلى «نصاعة» الضوء الأميركي الأخضر الممنوح لأنقرة نظراً لما تمثله المدينة من رمزية لطالما جهدت «الإدارة الذاتية» على ترسيخها إبان سنوات سيطرتها السبع على المناطق التي تسيطر عليها.

لم تستطع قيادات «قسد» التقاط اللحظات التي مرت مراراً منذ التوافق الروسي التركي الحاصل شهر آب من العام 2016، والفعل لو حصل لكان من الممكن أن يختصر الكثير على وطن جريح لم يكن ينقصه «الخنجر» الكردي الذي وجه إلى صدره بتوافق لحظي بين واشنطن وجبال قنديل في شمال العراق، بل كان من الممكن تحصيل العديد من المكاسب لمكون كردي تدعي تمثيله وكذلك حصرية التحدث باسمه، وما ذهبت إليه تلك القيادات لا يمكن أن يسمى إلا «قمار سياسي» تبدو فرص النجاح فيه دون الصفر، صحيح أن هناك العديد من المؤشرات التي توحي بأن تلك القيادات تتحسب للخطوة الأميركية المقبلة ما بعد أفغانستان، لكن التحسب، كما يبدو، لم يدفع باتجاه إعادة الحسابات تجاه دمشق، فالراجح الآن هو أن التفكير في رأس هرم «قسد» ينصب على خيار يقضي بنقل المعركة إلى شمال العراق الذي تخوض فيه أنقرة مواجهات مع حزب العمال الكردستاني، والظن هنا أن فعلاً من هذا النوع سوف يخفف ولا شك الضغط على مناطق سيطرتها في شرق الفرات السوري، لكن خياراً من هذا النوع يبدو انتحارياً، فأنى لقوات بدائية من الناحية القتالية أن تخوض معركة على جبهتين من دون وجود حليف إقليمي مجاور، ودون حليف دولي قادر على تقديم فعل الأستاذ اللازم؟ إلا إذا كان «القسديون» لا يزالون يرون أن ذلك الحليف هو واشنطن التي ركلت الأتباع الأفغان عند مدارج الطائرات الرابضة في مطار كابل، والتي حملت على متنها الأميركيين فحسب.

المصدر: الوطن

مقالات أخرى للكاتب