منذر خدام: قراءة في قانون الانتخابات العامة والمحلية في سوريا

الأربعاء 29 أيلول/سبتمبر 2021

سعت السلطة السورية في البداية للتكيف مع مطالب الشعب السوري المنتفض، المطالب بالتغيير نحو نظام سياسي ديمقراطي تعددي تنبثق السلطة فيه من صناديق الاقتراع، لتنظيم الحياة السياسية العامة فأصدرت قانوناً للأحزاب وقانون للانتخابات العامة والمحلية.

يقع القانون المشار إليه في ثمان وستين مادة موزعة على عدد من الفصول، ينظم كل منها جانباً من جوانب العملية الانتخابية. من حيث المبدأ يعد القانون كنص جيداً بالمقارنة مع القانون السابق، الذي كان معمولاً به منذ عام 1974، فهو يؤمن ضمانات جيدة لتأمين نزاهة الانتخابات في حال طبقت فعلياً، خصوصاً، لجهة إشراف القضاء عليها، ومن خلال تمكين الأحزاب، أو المرشحين أنفسهم بالرقابة عليها، وكذلك رجال الصحافة والإعلام. مع ذلك فإن القانون يعكس وجهة نظر السلطة فقط، إذ يكرس إعادة إنتاجها.

فعلى سبيل المثال عندما يخصص القانون ما نسبته خمسين بالمائة كحصة للعمال والفلاحين (المادة 19) فهذه ميزة لحزب البعث يستفيد منها لانتخاب أناس لا علاقة لهم بالفلاحين أو بالعمال، عداك عن أنها من بقايا أيديولوجية شعوبية اندثرت. وينطبق الأمر ذاته على الانتخابات المحلية، حيث أضيف إلى العمال والفلاحين الحرفيون لترتفع نسبة تمثيلهم إلى ستين بالمائة.

ينبغي أن يشكل البرلمان ملتقى الأحزاب والقوى السياسية، التي يفترض بها أن تعبر عن مصالح العمال والفلاحين، وغيرهم من فئات الشعب، لا منبراً للتصفيق للكلام المنمق. إن العمال والفلاحين وغيرهم من فئات الشعب، يمكنهم أن يدافعوا أكثر عن مصالحهم من خلال نقاباتهم الحرة، بل من واجبهم أن يشكلوا قوى ضغط على جميع السلطات، وعلى الأحزاب السياسية، في سبيل تحقيق مصالحهم الخاصة. وعليه فإن تعريف العامل والفلاح والحرفي في المادة الأولى من القانون ليس ضرورياً، كما أن تحديد من يحق له الانتخاب بأنه كل “مواطن عربي سوري” (المادة4) سوف يحرم عملياً المواطنين السوريين من غير العرب من حق الانتخاب. وتتكرر في المادة الخامسة، الفقرة الثالثة، من القانون ذات المشكلة المتضمنة في قانون الأحزاب، والمتعلقة بحرمان كثير من السياسيين الذين صدرت بحقهم أحكام من المحاكم الاستثنائية خلال مرحلة إعلان حالة الطوارئ، من حق الانتخاب.

في الفصل الثالث، المادة /17/، التي تحدد المحافظة كدائرة انتخابية تحتاج إلى دراسة معمقة وتفكير هادئ ورصين. من المعلوم أن من وظائف القانون الانتخابي ليس فقط تأمين نزاهة الانتخابات، بل والمساهمة في صهر البنية المجتمعية على قاعدة المواطنة. من هذا المنطلق فإن إجراء الانتخابات على أساس القوائم الحزبية، والنسبية، واعتبار سوريا ككل دائرة انتخابية واحدة هو الأفضل لظروف سوريا. بهذه الطريقة لن يسمح للبنى الأهلية المختلفة بالتعبير عن نفسها، وبالتالي تجاوزها مع مرور الوقت. إضافة إلى انه يرغم الأحزاب على تقديم أفضل ما لديها من برامج ورؤى وأشخاص.

في المادة/23/ من القانون أعطيت ميزة للوزراء للترشح وهم في مناصبهم، مع أنه من الأفضل أسوة ببقية الذين يشغلون مناصب عامة رفيعة، أن يستقيلوا قبل الانتخابات، وأن لا يسمح لهم بالترشح بالدائرة التي ينتمون إليها. كثير من الوزراء يغلب عليهم الطابع التكنوقراطي، وقد يفتقرون إلى الشعبية الانتخابية، ولذلك فإن اعتماد النسبية، والقوائم الحزبية، يمكن أن يساهم بحل هذه المشكلة وغيرها من المشكلات المشابهة. أضف إلى ذلك تجاهل القانون وضعية المحافظ، إذ أبقى تعيينه من صلاحية الرئاسة، مع أنه يستحسن أن يكون منتخباً كغيره من السلطات القيادية المحلية الأخرى.

كما في حال قانون الأحزاب فإن القانون الانتخابي يتعارض مع وضعية حزب البعث في كثير من بنوده، وعليه بالتالي تسوية حالته في ضوء أحكام القانون الجديد. إضافة إلى ذلك ينبغي أن يخرج من جميع مؤسسات الدولة إلى الحياة المدنية، وينبغي تحرير النقابات والمنظمات الأهلية من سيطرته، لأن وجوده فيها يشكل ميزة انتخابية بالنسبة له، تحابيه على حساب بقية الأحزاب. قد يكون من المفيد، وهذا ينطبق أيضاً على قانون الأحزاب، فصل جميع الأحزاب، والنقابات، والمنظمات الأهلية، عن الدولة ومؤسساتها، واعتبارها بمثابة المنحلة، وإعطاء مهلة كافية لإعادة تأسيسها من جديد، بدون مزايا مسبقة. وإذا كان إقرار القانون الانتخابي الجديد يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن هذه الخطوة تبقى ناقصة لأنها لم تأتِ نتيجة حوار وطني شامل، خصوصاً مع المعارضة الوطنية الديمقراطية.

اللافت أن النظام أصدر قوانين الأحزاب، والانتخابات وغيرها من قوانين قبل أن يعدَّ الدستور الجديد، الذي من المفروض أن يكون هو المرجعية الأساس في إصدار كل القوانين التنفيذية له. ومع ذلك بغض النظر عن كون الدستور ذاته والقوانين الأخرى المكملة له، كاملة أو ناقصة، تبقى العبرة في تنفيذها وكعادته لم ولن يتقيد بها. فجميع الانتخابات التي جرت في سوريا كانت مزورة، وبحسب العديد من المصادر المعنية بها من داخل النظام، لم تتخطَّ نسبة المشاركة فيها العشرة بالمئة ممن يحق لهم الانتخاب، لأن الجميع كان يعلم أن النتيجة معروفة سلفاً.

المصدر: نورث برس

مقالات أخرى للكاتب