روبرت فورد: الجنود باقون.. لكن لا حل أميركياً لسوريا

الخميس 7 تشرين الأول/أكتوبر 2021

زار وفدان سوريان واشنطن الأسبوع الماضي، لكنهما لا يتشاركان معاً في رؤية واحدة لحل أزمة الحرب السورية. ورغم لقائهما مسؤولين أميركيين، فإنه لم يلتقِ كل منهما الآخر. وفي وقت لاحق، ذكر رئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض، سالم المسلط، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه يوجد تمييز في أسلوب تعامل الولايات المتحدة مع طرفي المعارضة.

في واقع الأمر، لطالما شعر الأميركيون على مدار سنوات بعدم ارتياح تجاه الإسلاميين في «الائتلاف» والدعم التركي لهم. في المقابل، يشعر الأميركيون بالامتنان تجاه إدارة الحكم الذاتي العلمانية وميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية التابعة لها، وذلك لنجاحها في مواجهة تنظيم «داعش».

من ناحيتها؛ قالت إلهام أحمد، التي قادت الوفد الممثل لإدارة الحكم الذاتي، في تصريحات لعدد من وسائل الإعلام في أعقاب لقائها مسؤولين من إدارة (الرئيس الأميركي جو) بايدن، إنها تلقت تأكيدات بأن الأميركيين لن ينسحبوا من سوريا.

وقال مظلوم عبدي، قائد «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» جوهرها، في تصريحات لـ«التايمز» البريطانية، إنه تلقى تعهداً مماثلاً في سبتمبر (أيلول) الماضي من القائد العسكري الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط، الجنرال كينيث ماكينزي، وكذلك من جوي هود، المسؤول الرفيع بوزارة الخارجية الأميركية المعني بالشرق الأوسط.

وأكدت وزارة الخارجية بعد استقبالها إلهام أحمد في 29 سبتمبر أن الولايات المتحدة تدعم «الاستقرار» في المنطقة. وبإمكانك ترجمة هذه اللغة الدبلوماسية لتقول إن القوات الأميركية ستبقى في شرق سوريا لحماية الإدارة الذاتية وسد الطريق أمام القوات الحكومية الروسية أو الإيرانية أو التركية أو السورية. كما وعد البيان الأميركي الصادر في 29 سبتمبر باستمرار واشنطن في مساعدة «قوات سوريا الديمقراطية» (و«وحدات حماية الشعب» التابعة لها) في حربها ضد «داعش»، رغم أن الرئيس بايدن أبلغ الأمم المتحدة والشعب الأميركي بأن إدارته وضعت نهاية للحروب التي تستمر إلى الأبد.

ويتمثل أحد عناصر الحرب المستمرة في شرق سوريا، في المساعدة العسكرية الأميركية لـ«وحدات حماية الشعب» وميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية» للدفاع عن حقول النفط.

يذكر هنا أن أحداً لا يعتقد حقاً أن بضع عشرات من مقاتلي «داعش» بإمكانهم الاستيلاء على حقول النفط والسيطرة عليها لأكثر من يوم أو يومين. في الوقت ذاته، تتميز حقول النفط بأهمية حيوية للإدارة الذاتية، وزيادة إنتاجها كان هدفاً أساسياً من وراء زيارة إلهام أحمد لواشنطن، والتي طلبت إعفاءات من «عقوبات قانون قيصر» حتى تتمكن الشركات الأميركية من إصلاح حقول النفط، وبالتالي يمكن لإدارة الحكم الذاتي تلقي المساعدات الإنسانية بسهولة أكبر.

في الوقت نفسه، تقدم إدارة بايدن مزيداً من المساعدات الاقتصادية للإدارة. إلا أن المفارقة تكمن في أنه كلما عززت واشنطن إدارة الحكم الذاتي والقوات التابعة لها، زادت صعوبة التوصل إلى اتفاق بين الإدارة المستقلة وحكومة الأسد. المؤكد أن الإدارة لن تقدم تنازلات بخصوص الحكم الذاتي، بجانب أن الأميركيين لن يتمكنوا من إجبار الأسد على تقديم تنازلات. وفي ظل هذا المأزق، ستتطور الإدارة الذاتية لتصبح دويلة صغيرة بحكم الأمر الواقع تحت مظلة عسكرية أميركية.

من جانبي، كتبت مراراً حول فكرة أن واشنطن ستنزع هذه المظلة في نهاية الأمر، فهل كنت مخطئاً؟ نعم؛ على الأقل على المدى القصير.

يذكر في هذا الصدد أن بريت ماكغورك، الذي يعدّ اليوم أهم مستشاري بايدن فيما يخص شؤون الشرق الأوسط، تقدم باستقالته من إدارة (الرئيس الأميركي السابق دونالد) ترمب عندما أمر ترمب القوات الأميركية بالانسحاب في عام 2019، وبعد تلك الاستقالة العلنية عام 2019، ارتبطت سمعة ماكغورك بمصير منطقة الحكم الذاتي. بالإضافة إلى ذلك، خصوصاً بعد الانسحاب من أفغانستان، تحتاج إدارة بايدن إلى خطة مقنعة لاحتواء «داعش» في شرق سوريا.

وتتمثل الخطة الوحيدة الممكنة الآن في الاعتماد على ميليشيات الإدارة الذاتية. وما لم يتوصل ماكغورك إلى صفقة جيدة مع روسيا لحماية «قوات سوريا الديمقراطية» والإدارة الذاتية، فإن الفريق المعاون لبايدن سيحث الرئيس بايدن على الحفاظ على القوة الأميركية في سوريا.

علاوة على ذلك؛ أضرت الفوضى التي شهدتها كابل، ببايدن سياسياً، وانخفضت شعبيته إلى أدنى مستوى لها منذ أن تولى الرئاسة. من الناحية السياسية، من الأسهل أمام بايدن والديمقراطيين تأخير الانسحاب من سوريا، وما يرافقه من اتهامات بخيانة حليف أميركي آخر، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2024 وربما لفترة أطول من ذلك.

الواضح هنا أن ثمة أمرين بإمكانهما تغيير هذه الحسابات السياسية الأميركية؛ أولاً: لم يكن هناك سوى عدد قليل من الضحايا الأميركيين في سوريا، ذلك أن الميليشيات الإيرانية وقوات الأسد لم يفعلوا مثلما فعلت «طالبان» على صعيد مقاومة الأميركيين وحلفائهم المحليين. ومع أن قليلاً فقط من المواطنين الأميركيين يهتمون بسوريا الآن، حال وقوع خسائر أميركية كبيرة في سوريا أو في العراق الذي يعدّ قاعدة إمداد القوات في سوريا، فإن الانتشار في سوريا سيحظى باهتمام سياسي جديد.

ثانياً: ومثلما كتبت من قبل، يتفق الجناح اليساري للحزب الديمقراطي مع حركة «أميركا أولاً» داخل الحزب الجمهوري على ضرورة خفض الانتشار والتكاليف العسكرية الأميركية في العديد من المواقع الثانوية؛ بما في ذلك سوريا. إذا تركز الفوز في انتخابات الكونغرس لعام 2022 داخل الجناح اليساري للحزب الديمقراطي واليمين المتطرف في الحزب الجمهوري واستحوذ الطرفان على مزيد من المقاعد في الكونغرس المقبل، فسيصبح باستطاعتهما التعاون لتسليط الضوء على الوجود العسكري الأميركي في سوريا وإحراج البيت الأبيض الذي يفتقر إلى استراتيجية تجاه سوريا.

المصدر: الشرق الأوسط

مقالات أخرى للكاتب