سوسن جميل حسن: الكتابة في زمن الهلاك السوري

الجمعة 8 تشرين الأول/أكتوبر 2021

ما الذي تغير خلال سنتين؟ سؤال ألحّ اليوم عليّ، إثر مقارنة بسيطة، قدحت في بالي عندما طالعتني، مصادفةً، إحدى الصفحات المهتمة بسعر الصرف: افتتاح سعر الصرف في دمشق لهذا اليوم السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2021 بـ 3450 ليرة بالنسبة للدولار الأميركي. بالعودة إلى مثل هذا اليوم من العام 2019، تطالعنا الصفحات برقم صادم كان قد صدمنا حينها، واعتبرنا ما يحصل جريمة بحق الشعب، وخزيا بحق ليرتنا (السورية)، 635 ليرة للدولار، ما يعني أنه، خلال السنوات الثماني الأولى من عمر الأزمة السورية، تضاعف سعر الصرف حوالي 13 مرة، بينما في اللحظة الراهنة تضاعف 69 مرّة عمّا كان قبل مارس/ آذار 2011، وهذا يعني، بحسبة بسيطة، تضاعف انهيار الليرة خلال العامين الأخيرين 56 مرّة.

ما الحاصل في واقع الحياة؟ إذ أعود إلى الشواغل التي كانت تدور حولها معظم الكتابات، لا بد من ملاحظة أن الاستنقاع طاول حتى هذه الكتابات، مثلها مثل حياة الناس في سورية، وكأن الزمن توقف عند الزلزال، وما زالت هزّاته الارتدادية تدمر ما بقي عالقًا على شفير الانهيار. كنا في كل انزلاقٍ نحو الأزمات والغلاء وتراجع سعر الليرة نعصب رؤوسنا، ونتوقع أن الكارثة على الأبواب، وأن “ثورة الجياع” لا بد قادمة، متّكئين على بديهيات التاريخ ومعادلات الدرجة الأولى في علم الرياضيات، وقانون فيزيائي بسيط يقول إن الضغط يولّد الانفجار. لكن الانفجار لم يحصل. ما حصل أن تجربة الضفدع في المختبر هي التي حصلت، الضفدع الذي ركن إلى دفء الماء في الحوض، واسترخى لسخونته متأقلمًا معها إلى أن صار الماء يغلي، عندها فقد قدرته على القفز والنجاة من الموت مسلوقًا.

ما هي القضايا التي تشغل السوري، وتُغرقه في حمأتها، مستبيحة تفكيره ومشاعره وأوقاته، من دون أن تترك مجالًا ملحوظًا للانشغال بالغد، أو حتى مراقبة ما يجري حوله في القريب، وبعيدًا عنه في العالم؟ إنها قضايا تعدّ على الأصابع، لكنها تتمدّد، حتى لا يبقى مكانٌ لقضية أخرى. بديهيات الحياة صارت هي القضية الكبرى: الرغيف حتى في أسوأ حالاته، غاز الطبخ ليلبّي أدنى الاحتياجات، الكهرباء بأقل طموح، إذ وصل التقنين إلى مستوىً لا يمكن تصوّره، المحروقات وأزماتها المتتالية وارتفاع سعرها، المواد الإعاشية التي تسدّ رمق الفقير، بعد أن صار 90% من الشعب فقراء، الدواء الذي لا يكتفي بارتفاع سعره، بل يختفي من الأسواق لأسباب كثيرة، وإن وُجد فلا يستطيع المواطن احتمال كلفته، التعليم وواقع المدارس، الشباب العاطلون من العمل والأمل، الجريمة بكل أشكالها من قتل وسرقة واغتصاب وتجارة الجنس واستغلال الأطفال وترويج المخدّرات والاتجار بها، حوادث السير بسبب انهيار البنية التحتية وعدم القدرة على صيانة الطرقات وخدماتها، عدا عن عجز المواطن عن صيانة آليته، بسبب ارتفاع سعر قطع الغيار والأجور وفقدانها أيضًا، ثم حلم الهروب من هذه البلاد التي لم تعد تشبه البلاد، وفوق هذا كله، كمّ الأفواه عن أي صرخة ألم أو احتجاج فقط، من دون فرض الكمّامة من أجل الصحة العامة والوقاية من كورونا، إذ تأتي الموجة الثالثة، وربما الرابعة، من “كورونا”، لتجد الاستنقاع قد ازداد. وإذا كان السوريون لم يكترثوا بما سبقها، فإنهم اليوم ازدادوا استخفافا بها، في الحقيقة ليس استخفافًا بها بقدر ما هو استخفافٌ بحياتهم التي لم تعد ثمينة، ولم يعودوا حريصين عليها أمام التحدّي الوجودي الذي يغالبهم كل يوم. وباء كورونا اليوم يتفشّى بشكل رهيب بين الناس، ولا يتوفر الحد الأدنى من التدابير الوقائية، لا على مستوى الحكومة ولا على مستوى الشعب، بل إن المشافي التي تعاني أيضًا لا تمتلك القدرة على تقديم الخدمة في الجائحات.

النتيجة، سورية بلاد مقسمة. ازداد انحدار وعي من بقوا فيها في كل المناطق، وهناك ملامح لمرحلة جديدة، مرحلة وضع النقاط على الحروف، بالتوازي مع حل النقاط العالقة، والميل إلى الانفتاح على النظام من الدول العربية، وأصبح الحراك باتجاه دمشق ومنها واضحًا وعلنيًا، كذلك الصمت من باقي الدول، إذا لم تكن محاولات من تحت الطاولة لإعادة العلاقات والانفتاح عليه، فأين هو المشروع السياسي المستقبلي؟ حتى اللجنة الدستورية التي تكمل العامين على أول جلسة لها في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ما زالت لم تتقدّم خطوة في طريق ما، لا نعرف إن كان صحيحًا أم لا، إنما بقيت تراوح مكانها.

ما الذي يمكن تسليط الضوء عليه والكتابة عنه، بعدما استنفد الكتّاب كل ما يمكن الكتابة عنه إن كان التوجّه نحو مشكلات الناس وقضايا الشعب هو المطلوب والمنتظر منهم؟ لم يبقَ أمر لم يتم الحديث فيه وإعلاء الصوت كصرخةٍ يمكن أن تلفت نظر المجتمع الدولي وتحرّك ضميره، لكن الضمير العالمي يبدو مشلولًا أمام حجم الكوارث التي يُحدثها النظام العالمي وأدواته من الدول العظمى في صراعاتها في مناطق كثيرة، خصوصا في ظل الأزمة الجديدة التي لم يتعافَ منها الاقتصاد العالمي بعد، ولم تظهر نتائج الترتيبات الجديدة له بعد، أزمة كورونا.

عامان كان الانهيار خلالهما الأسرع في الفترة الدامية التي عاشتها سورية، انهيار المجتمع، انهيار الليرة، انهيار الحلم والأمل، لكن حدثت أمورٌ كثيرة على أرض الواقع، إنْ محليًّا أو عالميًّا، جديدها المصالحات في درعا وعودة سيطرة النظام عليها، وحاليًّا توجّه الأنظار نحو إدلب، والتفاهم أخيرا بين روسيا وتركيا، بينما في منطقة شرق الفرات والمنطقة الشرقية عمومًا هناك على ما يبدو إعادة نظر في السياسات، خصوصا بعد المواقف التي تسجلها الولايات المتحدة في مناطق حمايتها أو بالنسبة لحلفائها، فأميركا وأي قوة عظمى تصنع سياساتها بموجب مصالحها، وليس بموجب مواثيق أخلاقية، وهذا ينفي صفة الديمومة والمبدئية بالنسبة إلى المواقف، كذلك موقفها في سورية، فلديها أهدافٌ تعنيها هي بالدرجة الأولى، إن كان أولها العنوان العريض “القضاء على الإرهاب”، وما نجم عنه من تحالفٍ لأجل هذا الهدف، فليس جديدها محاصرة إيران وكفّ يدها عن المنطقة، أو أمن إسرائيل حليفتها الأقوى، لذلك من يعوّل على أميركا حليفا دائما ونصيرا لقضايا الشعوب، لا يختلف عمّن يعوّل على إيران أو تركيا أو روسيا.

كان للشعب السوري في بداية الحراك ما يقارب 190 دولة صديقة، لكن تبيّن أنه كان يتيمًا في الساحة التي تقاطعت فيها نيران بعض الدول الصديقة له، ثم جاءت المحصّلة هذا الانهيار الذي يتجلّى أمامنا، والاستنقاع الحارق في حمأة الحياة المتدنيّة المحرومة المأزومة، فعن ماذا يمكن للكتّاب أن يكتبوا، وكل ما يمكن قوله قد قيل؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات أخرى للكاتبة