مهيب الرفاعي: صعود طالبان وانتعاش الفصائل “الجهادية” في سوريا

السبت 9 تشرين الأول/أكتوبر 2021

تعد نهاية عام 2011 وبداية عام 2012 نقطة انطلاق العمل المسلح في سورية، بعد تشكيل أول الحركات الإسلامية الجهادية في البلاد تحت اسم حركة أحرار الشام، وتلاها فصيل جيش الإسلام، في الغوطة الشرقية لدمشق، وفصيل لواء التوحيد في مدينة حلب (شمال)، وتَشكل جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام وغيرهما. وقد بقي القاسم المشترك بين الفصائل الإسلامية في سورية هو إقامة إمارة إسلامية سنّية، بالاعتماد على الجناح العسكري للفصائل. على الرغم من تنوع (وتباين) المسمّيات والمشاريع التي تبنتها هذه الجماعات، والتي لاقت تأييدًا من الجماعات الجهادية خارج حدود سورية، وفي مقدمتها حركة طالبان وشبكة القاعدة، إلا أن تيار الإسلام السياسي أصبح الأكثر رواجًا بحكم التأثر بالقوى الإسلامية الجهادية خارج حدود البلاد؛ والتي كان لها دور كبير في تنظيم صفوف الجهاديين في سورية.

تأثرت الفصائل الإسلامية السنية في سورية بعد عام 2012 بتنظيم القاعدة الذي تأسس عام 1988، وبفكر حركة طالبان التي تلتها عام 1994، وكانت نتيجة هذا التأثر تبنّيها نموذج الفكر العملياتي والعسكري ذاته في القتال في سورية. أبرز المتأثرين كانت جبهة النصرة، من حيث البنية والتشكيل الهرمي للتنظيم، والتي تمكّنت، في أول نشوئها، من إحكام السيطرة على معظم مدن الغوطة الشرقية في ريف دمشق، وإضعاف أي محاولة لأي فصيل آخر في النشوء. إلا أن الصراع مع “جيش الإسلام” على الغوطة وعدم رغبة زعيم هذا التنظيم حينها، زهران علوش، في إتاحة الفرصة لأيٍّ من الحركات الإسلامية المتشدّدة في السيطرة على الغوطة، أنهى وجود الجبهة، وانتقلت عملياتها إلى شمال سورية، نتيجة وجود دعم من فصائل إسلامية من حلب وإدلب؛ وأهمها “تحرير الشام” الأقوى حاليا في الشمال السوري؛ وأصبحت أقرب إلى مصادر التمويل والحدود مع تركيا، وابتعدت عن مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والفصائل المعتدلة، من قبيل الجيش الحر وجيش الإسلام وغيرهما، تفاديًا لوقوع صدامات كبيرة كما مضى.

استنساخ نموذج طالبان

فعليًا، أدّت دعوات الجهاد العالمية والمحلية إلى نشوء تنظيمات وفصائل مسلحة، أبرزها أحرار الشام ولواء الشام وجيش الإسلام وجبهة النصرة وتحرير الشام. وقد أثّر صعود التيار الجهادي الإسلامي، والرغبة في الانضواء تحت راية الحركات الجهادية العالمية (global jihadist movements) على المناخ العام لقوات المعارضة، ومجالسها المحلية ومكاتبها في خارج سورية. وكانت جبهة النصرة أقرب الحركات الجهادية إلى الجهاد العالمي، وقد نفّذت عمليات في معظم الأراضي السورية، وساهمت البروباغندا (الدعاية) الضخمة للعمليات الانتحارية الكبيرة في أثناء العمليات العسكرية في تعزيز سطوة هذا التنظيم، وترويج اسمه ممثلا للجهاديين السنّة في سورية. ما لبثت الجبهة أن دخلت في مناحراتٍ مع الفصائل المسلحة الأخرى؛ فبالإضافة إلى رغبتها في إقصاء الفصائل العسكرية المعتدلة، نشب خلاف بين زعيمي جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أبو بكر البغدادي، بين 2013 و2015، الأمر الذي جعل الجولاني يوالي تنظيم القاعدة، ويبايع أيمن الظواهري، في محاولة للخروج من فخّ تحويل الجبهة إلى جناح لتنظيم داعش، وتأسيس مكاتب إقليمية لجبهة النصرة تتبع في المحصلة لقيادات القاعدة. انضمّت جبهة النصرة في هذه الخطوة إلى نسق الحركات الجهادية العالمية، لا سيما بعدما مدّت “القاعدة” يدها إليها. في هذه المدة، احتكمت الجبهة، في جميع حركاتها، إلى تنظيمات أعلى من التنظيمات المحلية في سورية، وتبنّت كل من القاعدة وطالبان تنظيم الجبهة من جديد، وتصحيح مسار الجهاديين في سورية.

على نسق تحالف حركة طالبان وتنظيم القاعدة، اتخذت جبهة النصرة من هيئة تحرير الشام والفصائل الجهادية في شمال سورية حليفًا قويًا لها، واندمجت بها لاحقًا، ولا سيما أن هذه الفصائل هي الأقوى من ناحية عدد العناصر والانتشار والتمويل بين الفصائل العاملة في شمال سورية وغربها. وبالنسبة للهيئة، كان التحالف مع جبهة النصرة مهمًا، وربما يعدّ تحالفًا انتهازيًا، من ناحية الاستفادة من الخبرة الجهادية للجبهة، والاستفادة من عدد الانتحاريين الذين تدرّبهم الجبهة من جنسيات متنوعة. من هذا المنطلق، يمكن القول إن هيئة تحرير الشام في سورية هي نسخة “طالبان” في أفغانستان، لا سيما أن الأخيرة كانت، في ما مضى، على النسق التكافلي نفسه مع “القاعدة”، وأن كلا منهما تأسس من عناصر وطنية، وشكّلا أساسًا لنموذج الجهاد الدولي العابر للحدود.

تبنّت هيئة تحرير الشام لاحقًا منطق كراهية القوى الخارجية (في الحالة السورية، يمكن الإشارة إلى إيران والمليشيات الطائفية الشيعية الأفغانية واللبنانية، والقوات الروسية)، وهو المنطق ذاته والعقيدة نفسها اللذين تؤمن بهما حركة طالبان، من ناحية قتالها القوات الأميركية على مدار العقدين الماضيين. وعلى مستوىً آخر، فإن “تحرير الشام” تسعى إلى كسب المدنيين عن طريق تأمين غطاء عسكري ضد عمليات القوات السورية والروسية والإيرانية، خصوصًا في حلب وإدلب وشمال حماه، وتعمل على الحفاظ على مناطق آمنة للمدنيين الخاضعين تحت حكمهم، وهو النموذج ذاته الذي اتبعته “طالبان” في المدن التي خضعت لسيطرتها.

عملت “تحرير الشام” على تحسين صورتها أمام المجتمعين، المحلي والعالمي، وبدأت ترويج أنها جبهة إسلامية معتدلة، تسعى إلى إقامة “قطاع” سني يضمن حقوق الأقليات ويحفظ الحريات العامة والحقوق الأهلية والمدنية، وفق ما تنصّ عليه الشريعة الإسلامية. في الوقت الحالي، تسعى الهيئة إلى ترتيب صفوفها ومأسسة البنية العسكرية والمدنية في الشمال السوري، عبر إحداث مؤسسات الخدمة المدنية وإنشاء إدارة ذاتية منفصلة، في خطوة نحو كسب تأييد دولي للاعتراف بقطاع الشمال السوري، وهو الفكر ذاته الذي تعمل عليه طالبان بعد أغسطس/ آب 2021.

على الرغم من موافقتها على اتفاق روسيا وتركيا القاضي بتأمين الدوريات المشتركة شمال غرب سورية، استقطبت مناطق سيطرة تحرير الشام في الشمال السوري، بعد عام 2018، جميع من لم يرغب بتسوية مع القوات السورية والروسية، واحتضنتهم وعملت على إعادة تأهيلهم، وأقصت المتشدّدين في صفوفها إلى “داعش”، وهو إقصاءٌ يسمح لها بإبقاء خطوط التمويل من الدول الداعمة، وهو ذاته ما تسعى إليه “طالبان” بعد استلامها أفغانستان قبل أسابيع، عبر إقناع المجتمع الدولي بعدم نية قيادات الحركة إقامة إمارة إسلامية سنيّة ديكتاتورية، وأنها أصبحت حركةً معتدلة، هدفها الأساسي طرد المحتلين من البلاد. تبقى هذه المساعي ضمن إطار الحفاظ على المكانة بين الفصائل المسلحة الجهادية، بالإضافة إلى رغبتها بالاستئثار في حكم شمال سورية ضمن إقليم منفصل.

سؤال الشرعية

لم تعد حركة تحرير الشام عسكرية بحتة، وأصبحت أقرب إلى أن تكون حركةً سياسية تحشد الرأي العام المحلي في شمال سورية، بالإضافة إلى الحصول على دعم دولي، مع مغازلة ومباركة دولية للحركة. وجاءت هذه المغازلة نتيجة الانسحاب من وصاية “القاعدة” وإعادة تشكيل هيئة تحرير الشام وفق كيانات إسلامية معتدلة، تعمل في إدلب وغرب حلب. وهنا يمكن أن يُلاحظ الشبه بين حركة تحرير الشام و”طالبان” من ناحية الانتقال من الجهادية العالمية (global jihadism) إلى مربع الإسلام السياسي، عبر السعي إلى إقامة حكم ذاتي قائم على إحياء السنة ومبادئ الشريعة الإسلامية. بعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في أغسطس/ آب الماضي، ظهرت الدعوات إلى إقامة دولة إسلامية سنّية، وفق ما تعهد به زعيمها، هبة الله أخوند زادة، مع وجود تأييد من جميع الحركات الجهادية الأوزبكية والطاجيكية والباكستانية السنية. أصبحت بذلك “طالبان” نموذج الإسلام السياسي السنّي. ويمكن النظر فيه على أنه مقابل لمحور الإسلام السياسي الشيعي الذي أتت بنموذجه الثورة الإسلامية في إيران، وثبتت حكم الإسلاميين الشيعة في إيران.

طموح إقامة إمارة إسلامية سنيّة

أنعش انتصار “طالبان” الفصائل الإسلامية العاملة في الشمال السوري، ولا سيما أن مشروعهما مشترك في تحرير الأرض وإقامة حكم إسلامي. الأهم أن انتصار الحركة الأفغانية أحيا النفَس في فصائل جهادية إسلامية تنتشر في الشمال السوري، كان يعتقد أنها انتهت بفعل رغبة هيئة تحرير الشام بالاستئثار في الشمال السوري، وتحديدًا في إدلب وغرب حلب. فعلى الرغم من أن الهيئة قيّدت عمل فصائل جهادية كثيرة في الشمال، من قبيل تنسيقية الجهاد وفرقة الغرباء وجنود الشام، إلا أن هذه الحركات رأت في بيانات مباركتها “طالبان” مدخلًا إلى إعادة التموضع في الكيان الإسلامي في الشمال السوري، بما يخدم طموحاتها ومشاريعها، عبر ربط عناصرها بمرجعيةٍ جهاديةٍ عالمية، والتي أصبحت بدورها قوة إسلامية سياسية لا يستهان بها، تسعى دول كثيرة إلى الاعتراف بها. وتجتمع جميع هذه الفصائل، على الرغم من خلافاتها مع هيئة تحرير الشام، على إقامة إمارة إسلامية سنّية تتمتع بحكم ذاتي في شمال سورية. وتعلم هذه الفصائل أن حركة طالبان، التي دعت إلى ائتلاف الصف وتوحيد الكلمة في خلافات الفصائل عام 2015، هي ذاتها لن تتخلى عنها في غرض إقامة مناطق حكم إسلامي سنيّ.

دفع تحرّك الفصائل الصغيرة، والتي تشكل تهديدًا محتملًا لهيئة تحرير الشام، الأخيرة إلى أن تبارك انتصار حركة طالبان في بيانٍ أقوى من بيانات تلك الفصائل، متحدثةً فيه عن خيارات المقاومة والجهاد ونبذ الفرقة، لكن مع مفارقة في عدم ذكر الولايات المتحدة ضمن أهدافها؛ إذ ركّز بيان الهيئة، في سطوره، على قتال قوات النظام السوري والقوات الروسية، أنه خيار الشعوب الحرّة، وخيار الهيئة التي عدّت نفسها من أتباع حركة طالبان ومريديها.

يبقى نصر “طالبان” في أفغانستان ملهماً للحركات الإسلامية الجهادية التي تؤمن بأن التغيير ليس بالضرورة أن يكون سلميًا في ظل التغيرات الدولية الحاصلة، ولا سيما أن قادة عدة دول أوروبية يعيدون النظر في وضع “طالبان” ضمن دوائر السياسة والعمل السياسي والأمني الدولي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات أخرى للكاتب