سلام الكواكبي: هل سنُحاسَب على أحلامنا؟

الاثنين 18 تشرين الأول/أكتوبر 2021

في رواية لصديقٍ ممن تعرّضوا للاعتقال السياسي والتعذيب خلال فترة طويلة في سورية أن السبب الرئيسي وراء فاجعته أنه روى يوماً أمام أصدقاء له في الخدمة العسكرية ما حلم به في أثناء نومه. وكان الحلم يُقارب الخطوط الحمر في العقلية الأمنية السائدة في المجتمع منذ عقود، ووردت فيه تفاصيل عن تغيير في النظام الحاكم، ليس في سورية تحديداً، إنما في مكان ما مجهول الهوية والشخوص. وتحسّباً من الوقوع في خطر الفكرة، لم يتردّد الصديق في أن يصف ما تراءى له بأنه كابوس. وكما العادة، فإنّ من الأصدقاء من لديه ذمّة وطنية مرتفعة، إذ سرعان ما نقل سردية الحلم/ الكابوس إلى ضابط الأمن، طمعاً بإجازة أو حظوة. وعلى الرغم من أن الراوي شدّد مراراً، وبنفاق فاق التصوّر، على اعتبار ما حلم به وتفاصيله لا يعدو أن يكون إلا كابوساً معزّزاً بالتعوّذ من الشيطان الرجيم، مرفقاً ذلك بالدعوات إلى ديمومة الاستقرار الذي ينعم به الشعب السوري العظيم مع قيادته الحكيمة، إلا أن مجرّد أنْ راودته أضغاث الأحلام الانقلابية فقد أودى به هذا إلى شبه التهلكة والوقوع في براثن الأمنوقراطية. وإمعاناً في الغرائبية التي ميّزت المعتقلات السورية، طلب منه المحقق، بكل جدّية، أن يعود إلى النوم ليحدّثه، في اليوم التالي، عن تفاصيل جديدة لربما لم ترد في الحلم الأساس.

بعد مرور عشر سنوات على انطلاقة الربيع العربي، تعبر شعوب المنطقة العربية، المتنوعة إثنياً ودينياً، والتي جمعت في ما بينها آمال مشتركة في البدايات، المتفائلة والمُبشّرة، لتحقيق الحرية واسترجاع الكرامة، تعبر مساحة واسعة، وتكاد تكون بلا نهاية محدّدة يجتمع فيها الإحباط إلى جانب الخيبة ومعزّزين بالألم، فمع بداية الاحتجاجات في أكثر من دولة عربية كانت الشعوب تعيش مرحلة تمتلئ بالأمل بغدٍ أفضل، وانتقال سياسي سلمي يعتمد أساساً على إرادة الشعب، للتحول من رعايا إلى مواطنين. وهي مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة إدارة الأمل. في المقابل، انتهجت السلطات المستبدّة عدة طرق لحماية مُلكها وديمومة استبدادها. فمنها من عمد إلى القيام بإصلاحاتٍ تجميليةٍ سرعان ما زالت عند أول امتحانٍ ليظهر العفن ويتفجّر القيح. وسلطات دول مستبدّة أخرى سارعت، ومن دون انتظار أو تردّد، إلى استعمال أشد أشكال القوة الترهيبية من قمع للحرّيات العامة إلى اللجوء إلى العنف المنهجي الذي استهدف، بادئ ذي بدء، كلّ النشطاء السلميين، لتتحوّل من بعدها الاحتجاجات إلى صداماتٍ مسلحة وتقع المقتلة، فكانت مرحلة إدارة العنف.

واليوم، وبعدما استتبّ الأمر للمستبدّين عموماً مع استثناءاتٍ قد تكاد لا تُذكر، دخلت الشعوب، أو الجزء منها الذي كان مؤمناً بحتمية التغيير وساعياً إليه، في مسار متعرّج صعوداً ونزولاً إلى حالة من هزيمة ذاتية وجمعية، لحقت بكلّ المشاريع التحرّرية التي صعدت على وجه الماء مدة قصيرة في بدايات هذا الربيع الموؤود. هزيمة تنعكس من خلال التعبيرات الفردية كما من خلال التصرّفات الجمعية. وهي تؤدّي غالباً إلى صراعاتٍ متناميةٍ في صفوف المُجهضة مشاريعهم والمُحبطة آمالهم، فيستعيضون عن مرحلة التصدّي للمستبد المتعسّف بالتصدّي لرفيق أو رفيقة الدرب المتعرّج والصعب نحو الحرية. وبالتالي، تظهر الخلافات العقائدية بوضوح، ليجري تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الهزيمة أو جزء منها، فينصرف الإسلاميون والليبراليون، مثلاً، إلى التخندق وإبراز خلافاتهم إلى العلن، مُسندين إليها الجزء الأكبر من أسباب تعثّر المسار، ناسين مراحل لم يمض عليها وقتٌ كثير اجتمعا فيها على مشتركٍ وطنيٍ في حدوده الدنيا. وتتطرّف المواقف وتحتدّ اللهجات ويظهر للعيان أنّ “تروما” الهزيمة تركت أثراً نفسياً هائلاً لدى جميع الأطراف المهزومة.

إنّها مرحلة إدارة الهزيمة إذاً، سعياً، في الآن ذاته، إلى الخروج منها إلى مسارٍ يتم من خلاله تجديد الأمل، والتخلّص من تكاتف العوامل الموضوعية وتلكم الذاتية التي ساعدت على وقوع هذه الهزيمة وامتدادها. والاعتراف بالشيء هو الأساس لمحاولة التحرّر من قيوده، خصوصاً إن ساهمت، إلى جانب القوى المحلية المستبدّة، إن كانت حكومية أو دينية أو فوضوية، إرادات إقليمية جيدة التمويل تسعى، منذ بدء الربيع العربي، إلى تعزيز حظوظ الثورات المضادّة إن عبر السياسات العامة أو عبر دعم المؤسسات القمعية. وهي ثورات مضادّة آتت أُكلها من خلال تراجع الإصلاحات حيناً والانقلاب على الديمقراطية بالعنف أو بالحنكة السياسية أحياناً. وبموازاة ذلك، صمتت القوى الديمقراطية الغربية عن إجهاض الحلم ودعمت عودة المستبد أو تعزيزه للحفاظ على الاستقرار ومكافحة الإرهاب والسيطرة على ملفّ اللجوء.

في مرحلة إدارة الهزيمة للخروج منها، من دون قبولها أمراً واقعاً حتماً، يعود هناك معنى لوضع سيناريو التحشيد المتجدّد والحذر، كما الاهتمام التكويني بأمور الشأن العام وتعزيز عملية التوعية على استخدام أدوات العمل العام، فيعود الإنسان الطبيعي إلى الحلم بغدٍ أقل سوءاً وبإمكانية تحقيق جزءٍ يسير من المُبتغى. والعائق الأكبر أن تجري محاسبة أحلامنا المشتركة بالعقلية نفسها التي مورست بحق صديقي الذي حوسب على أحلامه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات أخرى للكاتب