عمر قدور: عندما تأخر الأكراد عن العرب بعشر سنوات

الثلاثاء 19 تشرين الأول/أكتوبر 2021

في السنوات الأخيرة شاعت مقارنات بين حال الأكراد والعرب، مقارنات محسوم رجحانها لصالح الأكراد من وجهة نظر “تقدمية”. إذ من السهل مثلاً وضع حال المرأة الكردية تحت حكم الإدارة الذاتية، أو صورة المقاتلات ضمن قوات قسد، بالمقارنة مع حال المرأة المقموعة في مناطق سيطرة فصائل معارضة أو سلفية ليظهر الفارق لصالح المرأة الكردية. ومن السهل أيضاً مقارنة حال الأحزاب الكردية، العلمانية بغالبيتها واقترابها من النموذج الغربي، بأحوال تنظيمات المعارضة العربية المتهالكة والمتردية لصالح صعود الإسلاميين بمختلف تنويعاتهم.

نال الأكراد مديحاً وإعجاباً، وفخراً إذا كان صاحب المقارنة كردياً، في حين كان هناك تأسف على حال نظرائهم العرب، وبعض التأسف مصدره مقارنةُ أحوال العرب اليوم بأحوالهم قبل سنوات أو عقود. إننا، في أحسن الافتراضات، أمام مسار صاعد وآخر هابط، من دون التوقف عند التأثيرات المتبادلة بينهما، ومن دون الانتباه إلى أن ما يُمتدح في التجربة الكردية اليوم هو نفسه ما يُذم في نظيرتها العربية في الأمس.

في منتصف حزيران/يونيو 1957، أي بعد عشر سنوات من تأسيس حزب البعث، اجتمع سبعة رجال ليتفقوا على تأسيس أول حزب قومي كردي في سوريا تحت مسمى “الحزب الديموقراطي الكردستاني” الذي سيُعرف اختصاراً بـ”البارتي”. التأريخ هنا تحديداً لأول حزب سياسي قومي، فعلى الجانبين كان هناك تأسيس لجمعيات ذات نشاط إنساني أو ثقافي، بل كان هناك دعوة إلى تأسيس حزب قومي عربي منذ نهاية الثلاثينيات لم تُترجم إلى واقع إلا في نيسان/أبريل 1947.

من المعتاد في الأدبيات الكردية تصوير التأسيس كشأن كردي يعود إلى تقسيم كردستان، مع الانتباه في بعض الأحيان إلى تأثير الحركة الكردية في الخارج. في هذا الجانب لا بد من التوقف عند شخص الملا مصطفى البارزاني كرمز قومي سيستمر تأثيره بلا منازع طويلاً، وفي تلك الحقبة كان حاضراً في تجربة مهاباد كأول إعلان لجمهورية كردية في إيران، ثم في نضاله الذي جمع بين العسكري والسياسي ضمن كردستان العراق. يُغفل في هذه السردية الصعود السريع لحزب البعث، وعلاوة على تنامي شعبيته راح حضوره في الجيش يزداد بروزاً، وكذلك حضوره في الحياة السياسية الذي صار ضاغطاً على الطبقة السياسة التقليدية.

هو التسلسل النموذجي إذا تذكرنا أن بوادر الفكر القومي العربي لاحت متأخرة عن نظيرتها التركية، الحاكمة آنذاك ضمن الإمبراطورية العثمانية. ما لم يكن منطقياً إطلاقاً أن يمر تأسيس البعث وصعوده من دون أن يعقبه تأسيس لحزب قومي كردي، خاصة أن هذا سيحدث مع شبه استلام البعث مقاليد السلطة الفعلية. فبعد ستة شهور فقط سيستقبل جمال عبدالناصر 22 ضابطاً بعثياً يريدون الوحدة، وعندما يتحفظ على ذلك لأنه يريد طلباً حكومياً رسمياً يأتي على الفور صلاح البيطار “وزير الخارجية والقيادي في البعث” ليعلن موافقة الحكومة السورية على الوحدة.

التواريخ السابقة تدلنا إلى كون الحركة الكردية السورية ولدت محكومة بتوقيت وظروف نشأتها؛ من جهة في خضم تصاعد المدّ العروبي وهذا بمثابة محرِّض لها، ومن جهة أخرى مع انقضاء العقد الأول من تجربة الاستقلال الوطني الوليدة التي سيُجهز عليها باتفاقية الوحدة مع مصر، ثم لاحقاً ونهائياً بانقلاب البعث. فترة الانفصال، فوق قصر زمنها، كانت أيضاً محكومة بضغط الشارع العروبي، ولإرضائه جرى تغيير اسم البلد من “الجمهورية السورية” إلى “الجمهورية العربية السورية”. في العهد نفسه، في الخامس من أوكتوبر1962، أُجري الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة، لينجم عنه كما هو مدبّر تجريد عشرات ألوف الأكراد “ثم سيصبحون مئات الألوف بفعل التكاثر الطبيعي”، ومنهم أفراد في عائلة توفيق نظام الدين الذي كان في منتصف الخمسينات قائد أركان الجيش السوري.

اعتُقلت قيادة البارتي في آب/أغسطس 1960 لموقفها السلبي من الوحدة، وفي السجن ظهرت بوادر الانشقاق الأول الذي سيتكرس بعد خمس سنوات تماماً، وفي تموز/يوليو 1973 اعتُقلت أيضاً قيادات الحزب على أرضية بيانات منددة بإجراءات تخدم تنفيذ “مشروع الحزام العربي”. في الجوار، كان الزعيم مصطفى البارزاني في أفضل أحواله بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي عام 1970 بعد قتال لتسع سنوات، وبرعايته عُقد مؤتمران للبارتي السوري من أجل توحيده، وكان يُنظر إليه كزعيم لكردستان وملهم لعموم الأكراد.

في ما بعد في دولة الأسد، سيصبح اعتقال الكوادر الحزبية الكردية شأناً معتاداً لا يخص الأكراد وحدهم. لكن تأخر تأسيس أول حزب كردي، ضمن الظروف المذكورة آنفاً، لا بد أن يترك بصمته. نحن أمام تجربة لم تُختبر في “أو تَختبر” السنوات القليلة من الحكم الوطني الذي تلا الاستقلال، فكانت منذ النشأة محكومة بالعمل السري على الصعيد الحركي، ومحكومة بالقطيعة مع الواقع السوري على المستوى الأيديولوجي بسبب عدم وجود حراك سياسي من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب المد العروبي في الشارع السوري عموماً.

لم تكن قضية الديموقراطية ولا المسألة الوطنية ضمن اهتمامات البعث الذي سبق أن أيد كل المحاولات الانقلابية السابقة على انقلابه، ولا كانتا ضمن أجندات أي تنظيم آخر. جدير بالذكر، مع الانتباه جيداً إلى هذه النقطة، أن بعضاً من مؤسسي البارتي أتى من الحزب الشيوعي، بعد يأس من موقف الأخير من القضية الكردية. ظاهرياً، كان هناك نزول من الأيديولوجيا الأممية الأرحب إلى القومية الأضيق، ومن الخير ربما أن الانتقال أتى بداعي اليأس من الأولى فلم تحدث المزاوجة بين الأيديولوجيتين كما سيحدث في تجربة لاحقة منفصلة كلياً عن البارتي وتفرعاته التي راحت تتكاثر بفعل الانشقاقات عنه، ثم الانشقاقات ضمن الأحزاب المنشقة.

سيكون طريفاً لو استرجعنا شعارات للبارتي في مؤتمره الثالث 1980، من قبيل “حماية وتعزيز صمود سوريا في وجه المخططات الإمبريالية والصهيونية والرجعية”، جنباً إلى جنب مع “من أجل حق تقرير المصير للشعب الكردي وانتصار كفاحه العادل في أرجاء كردستان”، أو “تعزيز الحركات التحررية لشعوب الشرق الأوسط وفي مقدمها الفلسطينية والكردية”. تسهل طبعاً معرفة ما هو موجه إلى السلطة اتقاء لشرها وما هو موجه للأكراد ضمن هذه الشعارات، لكن الفارق بين الاثنين يكشف عن الهوة الشاسعة بين الواقع والطموح، بين تعزيز صمود سوريا “الأسد” وحق تقرير المصير.

سيطبع البارتي، وهو كما أسلفنا التنظيم الأم لأبناء وأحفاد من الأحزاب الكردية، الحياة السياسية الكردية بطابعه حتى منتصف الثمانينات، وقد ساهمت كوادره وتلك المتفرعة عنه في نهوض الحياة السياسية الكردية وهي منفصلة إلى حد كبير عن أحزاب المعارضة العربية. الانفصال كان نتيجة حتمية للعمل السري، ومنعُ العمل السياسي العلني والحياة السياسية الطبيعية ترك أثره على الحركة الكردية التي لم تطور خطة طريق تتعلق بأكراد سوريا وحدهم، خطة طريق مستقلة لا تنظر إلى “ولا تنتظر” ما يحدث في عموم كردستان.

في تلك الأثناء كان حزب البعث ينهار، بعدما آلت تجربته إلى الأسد في سوريا وصدام في العراق. لا يُظلم الاثنان إذا اختُزلت تجربتهما إلى القمع غير المحدود والإبادة والخبرة في الكيماوي، وإن تخللت التجربتين مظاهر حداثية من نوع ماجدات صدام ومظليات الأسد.

المصدر: المدن

مقالات أخرى للكاتب