محمد حبش: سوريا الأحزان على ضفاف الدم

السبت 23 تشرين الأول/أكتوبر 2021

مر هذا الأسبوع دامياً أحمراً على سوريا، ففي يوم واحد قصف النظام أريحا مخلفاً خمسة عشر قتيلاً فيهم شهداء أطفال، وتم تفجير حافلة عسكرية في قلب دمشق سقط فيها ثلاثة عشر مجنداً وموظفاً، وقامت تركيا بقصف الشمال السوري بطائرة مسيرة خلفت ثلاثة من الشهداء، فيما تتواتر الأنباء عن هجوم وشيك يستعد له الأتراك في الشمال السوري!

فهل قدر هذه البلاد أن تستمر في مشاهد الموت حتى النهاية؟

ومن المؤلم ان أي رصد لتفاعل الناس مع التفجيرات والدم تظهر لك أن السوري بات مصطفاً مع قاتل دون قاتل، وأنه سيلعن التفجير في ربعه، ولكنه سيرقص في ربع الآخرين، وعلى الفور سيرسم ملامح الظالم والمظلوم بناء على حدس وظنون بعيداً عن أي تقويم حقيقي لمعنى العدالة ورسالتها التي تراكم فوق جسد الضحية.

لا أفهم في الواقع كيف يمكن أن نبتهج هنا ونتعزى هناك، ولا أفهم كيف يمكننا البكاء على الجراح هنا والشماتة هناك، مع أن الضحية في النهاية هو الإنسان السوري الذي يدفع من دمه وحياته وروحه ثمن صراع الآخرين وأطماع المستكبرين، وأمراء الحرب، الذين يجيدون تصويب المدفع بكل دقة ولكنهم يجيدون أيضاً فقه الاختباء والتستر بحيث لا تصيب تلك النيران نحورهم ولا وجوههم ولكنها تقع تماماً في وجوه الحزانى والبائسين والمنكوبين.

لا أرى في العساكر الذين قتلوا في الشام إلا أولئك التعساء الذين قادتهم أجهزة الدولة جبراً وقهراً للخدمة الإجبارية وراحوا يدوسون جراحهم ويعدون الليالي واللحظات ليتمكنوا من الهج من البلاد والبحث عن خيمة وستر يعيشون فيها حتى يقضي الله أمراً مفعولاً.

أما ضحايا القصف المتوحش على اريحا فليسوا في الواقع إلا اهل أريحا الذين تمسكوا بأرضهم وبلادهم، ولم يفارقوها على الرغم من كل جحافل الهول التي حطت بمدينتهم، فهي سفح الجبل الأخضر زرعه آباؤهم وأمهاتهم بزنودهم وسقوه بأعينهم ومهجهم، وقد أصروا على البقاء إلى أن نزل بهم القدر المحتوم.

لا أكتب في المشروع السياسي للموت، فهؤلاء مشغولون بما يصنعون وكل واحد عارف شغله، ولكنني أكتب للإنسان السوري، الذي يرقب هذه الأهوال ويتقاسم مع زملائه قاعات الموت الكئيبة فيتحسر على مقتول ويبتهج بمقتول، وهو موقف أقل ما يقال فيه الكفر بالإنسانية.

لقد تم زرع ثقافة الموت عبر أجيال متتالية من الإحباط والفشل، وتم تلقين الناس أن العالم قائم على قاعدة شريرة لا مفر منها وهي: اقتل او تقتل، وإن شأن المؤمنين انهم يقاتلون ويقتلون، وأنك لن تكون مسلماً حتى تشهد الزحوف والحتوف، مقبلاً غير مدبر، وتبايع أمير الجهاد، وتصيب من دمهم بسيفك ويصيبون منك، وأنه لا مكان ثالث في هذا العالم، إلا للأغبياء الساذجين.

هكذا قدمنا لأبنائنا ثقافة الموت، وحين كنا نقدم لهم النماذج من هذا التاريخ الإسلامي كنا نرحب بأولئك المحاربين الذين لا ينزلون عن ظهور خيولهم ولا تجف سيوفهم من لون الدم، وكان أكثر هؤلاء الأبطال تأثيراً في الجيل الجديد هو أكثرهم إثخاناً في الناس، وأذكر أننا كنا نباهي بمحارب من السلف لأنه كسر ستة سيوف على رؤوس الناس في يوم واحد!!

ولكن هذه المقالة تدعوك لقراءة الإيمان بصورة أخرى، فهناك طريق ثالث لا تكون فيه عبد الله القاتل ولا عبد الله المقتول، تمارس دورك الإيجابي في الحياة دون أن تمسك القنبلة ولا تطلق الصاعق، وهو السلوك الذي طلبه الرسول بشدة من الصحابة جميعاً قبل أن تقوم الدولة، فقد كان المسلمون يواجهون قوى عاتية من الشر، وقد تعرض عشرات من الصحابة للتعذيب حتى الموت، ولكن الرسول مع ذلك ظل ثابتاً على موقفه في السلم يرفض أي تورط في العنف، وحين ضرب سعد بن أبي وقاص رجلاً من المشركين فشجه قال له الرسول الكريم: لم نؤمر بهذا، بل نحتسب ونصبر، وهو السلوك نفسه الذي قامت به المسيحية حين قدمت المسيح وأحد عشر تلميذاً له من أصل اثني عشر شهداء قديسين يرسمون البسمة على نعوش الموت، وهو تاريخ المصلحين في كل رسالة إنسانية إصلاحية حقيقية في التاريخ.

فقط عندما صار دولة شرعية وحكومة قام ببناء جيش، أما قبل ذلك فلم يأذن لأحد يحمل قطعة سلاح فقد كان بفطرته يعلم أن السلاح شأن الدولة التي انعقدت لها بيعة شرعية، وقد واجه الاعتداء الذي تعرض له في ثمانية وعشرين غزوة غزاها به خصومه، ولكنه مع ذلك نجح في تحويل أربعة وعشرين منها إلى أيام مصالحة وتفاهم وحسن جوار..

الشركاء في المقتلة يعلمون ما يصنعون، ولكنني أستغرب من المسلم الذي يقف على ضفاف الموت وهو مجرد مراقب عاثر، فيحزن لبعض الضحايا ويشمت بآخرين، ويقدس قنبلة ويجرم أخرى، مع أن السلاح كله أداة موت غبية فهو ليس ذلك السيف القديم الذي كانت تحمله الأبطال، وتجول به في ساحة الحرب فمن شاء النزال تقدم، ومن شاء ولى، بل هو السلاح الأعمى الأحول الذي يأتي إليك ولو لم ترحل إليه، ويبطش بالناس ولا يميز بين بريئ ومدان، ولا رجل وامرأة ولا عجوز وطفل.

لقد جاء بيان القرآن الكريم واضحاً: من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.

ومع أنني أعلم أنه لا يستقيم أن تقدم المواعظ في مقال صحفي، بل عليك أن تقدم المعلومة والخبر، ولكنه هنا الموت والقتل والدم!! ولا يمكن أن يكون المرء فيه ساهماً لا مبالياً، بل هي لحظة الحقيقة، لا تتورط بدم إنسان، ولا تكن شريكاً في مقتلة، فإن الدم لا يجف والديان لا يموت وربك لا يظلم مثقال ذرة، ولنتوقف عن جعل الأجيال الآتية مشروع دم جديد.

رسالتي أن يكوّر السيف ليعود منجلاً نحرث به الأرض، وأن يعود البارود إلى مكانه في حفر الأنفاق في الجبال، وأن تعود الحرب حباً، ويجب أن يعلم تجار الموت أن سوقهم كاسدة، وأن الناس تؤمن بالحياة المقدسة وليس بالموت المقدس، وأن يعود الرجال إلى بذل التحية في تقاسم الأرزاق، والنساء إلى صناعة البسمة والبهجة والجمال، وأن تتوقف لغة اللعن الأسود التي تكشف عن الوحش في جلد الإنسان، وتطفئ روح الله في حناياه، فلا يوجد مقتول يستحق الشماتة ولا قاتل يستحق الثناء.

لا يوجد قتل مجيد ولا قاتل نبيل، ومن أوتي الفطرة النقية والروح البيضاء فقد أوتي نزعة النفور من القتل كله، ومن الفطرة السلمية أن تتعاطف مع كل ضحية، فلا أحد يستحق الموت إلا مجرم آثم تدينه محكمة عادلة، وما سوى ذلك فهو ظلم وحرام.

لقد طهر الله يدك من دماء الأبرياء فلماذا تكون طرفاً في الجريمة مبتهجاً أو شامتاً، وساهم معنا في احتقار كل قاتل، وازدرائه وإذلاله، حتى يعلم أنه لن يعود إلا بخزي وعار، وأن لن يجد من يهنئه على جرائمه، وأنه سيرحل مجللاً بالعار، وأي عار أشد شؤماً من قتل الروح التي خلقها الله.

المصدر: نورث برس

مقالات أخرى للكاتب