بسام مقداد: سوريا على طاولة بوتين ــ بينيت

الأحد 24 تشرين الأول/أكتوبر 2021

زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى روسيا، جرى توقيتها لتتطابق مع السنوية الثلاثين لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتي قطعها الاتحاد السوفياتي قي حينه، خلال حرب العام 1967. وقبل انطلاق المفاوضات في منتجع سوتشي بين نفتالي بينيت وفلاديمير بوتين، وصف الأخير العلاقات بين روسيا وإسرائيل بأنها “علاقات فريدة”. وعلل فرادتها بقوله أن الإتحاد السوفياتي ووريثته الشرعية روسيا كانا، في الواقع، “في أصول نشوء دولة إسرائيل”. وأضاف بوتين بأن الناطقين بالروسية في إسرائيل قد يكونون أكبر جالية تعيش خارج روسيا. 

توقفت المواقع الإعلامية الروسية عند سنوية استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أكثر بما لا يقاس، من توقفها عند الزيارة نفسها. ونشرت صحيفة الكرملين في 17 من الجاري مقابلة مطولة مع السفير الإسرائيلي في موسكو الذي ولد ونشأ في أوكرانيا السوفياتية. عنونت الصحيفة المقابلة بما قاله السقير في سياق حديثه “روسيا وإسرائيل تجدان دائماً لغة مشتركة عند الحاجة لمعالجة المسائل”. قال السفير بأنه كان في عداد الوفد الإسرائيلي الأول الذي تولى العام 1986 المفاوضات مع الجانب السوفياتي لإعادة العلاقات. وقال بأن الاتصالات السوفياتية الإسرائيلية بدأت قبل عودتها الرسمية في العام 1991، وافتتحت إسرائيل قنصلية في السفارة الهولندية العام 1986. واشار إلى أن موجة الهجرة الأساسية من الاتحاد السوفياتي إلى إسرائيل جرت بين العامين 1989 و1990، حيث هاجر يومها حوالي مليون شخص، ولم ينقطع تدفق المهاجرين حتى الوقت الراهن، حيث بلغ العام 2019 حوالي 19 ألف مهاجر من روسيا، على قوله.

في العودة إلى زيارة بينيت، قال مراسل أحد المواقع الروسية في إسرائيل بأن استقبال بينيت في سوتشي وليس في الكرملين يعتبر تخفيضاً لمستوى الزيارة، سيما أنها الزيارة الأولى له بعد توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية. لكن الكتاب السياسيين والصحافيين الروس الذين تحدثت إليهم “المدن” نفوا أن يكون في الأمر تخفيضاً لمستوى الزيارة، سيما أن بوتين استقبل في سوتشي غير مسؤول أجنبي كبير في مقره هناك، مثل ميركل وإردوغان وسواهما. 

وكانت “المدن” قد توجهت إلى عدد من الكتاب والصحافيين الروس المتابعين لقضايا الشرق الأوسبوط بالسؤال عن مكان اللقاء، وما إذا كان بنظرهم تخفيضاً لمستواه، وعن المسائل التي يمكن أن تكون قد طرحت على طاولة المفاوضات بين بوتين وبينيت.

الخبير الزائر في معهد الشرق الوسط في واشنطن وخبير المجلس الروسي للعلاقات الدولية أنطون مرداسوف، قال بأنه إذا أخذنا بالاعتبار عدد اللقاءات التي عقدها بوتين في سوتشي مع زعماء سيياسيين أجانب، يصبح من الصعب القول بأن لقاء بوتين – بينيت في سوتشي بدلاً من الكرملين في موسكو، هو إشارة إلى التخفيض من مستوى اللقاء. لكن من الواضح أن بوتين يشعر براحة أكبر هناك، لذلك تم استنساخ مكتب الكرملين في مقره الرئاسي في سوتشي، بحيث يغدو ممكناً تقليد العمل من العاصمة الروسية. ربما يعتقد بوتين نفسه أن الاجتماع في سوتشي يمكن أن يخلق جوًا أكثر ثقة، لكن ليس من المستبعد أن يكون هذا متعمدًا لخلق جو من عدم الارتياح للجانب الإسرائيلي. غير أن مرداسوف، مع ذلك، لا يستبعد احتمال أن يكون المسؤولون عن تنظيم اللقاء من الطرفين قد اختاروا منتجع سوتشي كمكان أكثر دفئاً (من جميع الجوانب) بالنسبة لبينيت في حديثه مع بوتين. 

أما في ما يتعلق بجدول أعمال اللقاء، فعلى الأرجح، برأيه، أن يحمل طابعاً غامضاً متعمداً، وذلك من أجل التأكيد على أن التعاون بين روسيا وإسرائيل يجري في مجالات متعددة، ولا يتوقف على العامل الشخصي، أي على نتنياهو الذي كان يصر على لعب الورقة الروسية حتى في السياسة الداخلية. العلاقات الثنائية في جميع أوجهها المتعددة – التجارة، رعاية الثقافة والفنون والعلوم، القضاء على ظاهرة معاداة السامية في روسيا، وهي العملية التي ينسب بوتين الفضل فيها لنفسه، مع العلم أنها لا تزال حتى الأن تشكل مشكلة بالنسبة للقوى الأمنية الروسية. 

بالنسبة لجدول الأعمال المتعلق بالمسائل الدولية، يقول مرداسوف بأنه يتراوح بين الملف النووي الإيراني والوضع في سوريا ومبيعات السلاح الروسي لإيران (إسرائيل توقفت في الفترة الأخيرة عن بيع السلاح لجورجيا نزولاً عند رغبة روسيا، على قوله)، وبين التعاون الإسرائيلي مع أوكرانيا. القائمة طويلة، لكنه يعتقد بأن الملف السوري سوف يشغل الحيز الأكبر من مدة اللقاء. فمع رحيل ناتانياهو  تم تعديل آلية التنسيق بين الدوائر العسكرية، رغم أن هذه المسألة كانت مطروحة على بساط البحث دائماً في عهده لأنها لم تكن مريحة للجانب الروسي، كما يحاول الليكود تصوير الأمر. فخلال الأسابيع الأخيرة فقط قامت إسرائيل بالكثير من العمليات الكبيرة في سوريا، بدءاً من البحث عن رفاة الطيار الإسرائيلي، إلى الغارات على القواعد الإيرانية في تدمر، وانتهاءً بقتل مستشار النظام السوري في شؤون الجولان. فمن الواضح أن إسرائيل قد رفعت من نشاط مخابراتها على الاتجاه السوري، وهو ما لا يعجب الكرملين بشكل واضح.

محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيقة NG الروسية إيغور سوبوتين لا يعتبر أن اختيار سوتشي مكاناً لقمة بوتين بينيت هو إشارة ما “لتخفيض أولوية” الصلات الروسية الإسرائيلية. فالزعيم الروسي يعقد اللقاءات المهمة في موسكو وسوتشي على قدم المساواة، ويبدو أنه لم يأخذ بالاعتبار سوى راحته الشخصية في اختيار سوتشي. ومع ذلك، ونظراً لارتفاع تفشي وباء الكورونا في موسكو، يمكن تأويل اختيار سوتشي بأنه لفتة اهتمام باللقاء، مع أن العاصمة وبقية مناطق روسيا “مريضة” بمعدلات مختلفة.

يعتقد سوبوتين أن من المهم لبوتين أن يشرح لضيفه كيف يرى طبيعة أعمال إسرائيل حالياً في سوريا. فبعد تغيير الحكومة الإسرائيلية ارتفعت بشكل ملحوظ وتيرة ضربات الجيش الإسرائيلي على سوريا. وأحدثت صدى واسعاً الأنباء عن مقتل رئيس قسم قضايا الجولان في الحكومة السورية مدحت صالح، والذي تفيد المعلومات أن الإسرائيليين هم من قتله. وموسكو ترغب في معرفة ما إن كانت اسرائيل ستستمر بهذه العمليات الآن.

ويرى سوبوتين أن بوتين، في تواصله مع بينيت، يريد أن يستطلع إلى اي مدى تختلف قدرته التفاوضية عن قدرات ومهارات نتنياهو. وقد اعتبر المحللون خلال فترة طويلة أن الصداقة بين الرئيس الروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي هي أحد العوامل المهمة في العلاقات بين البلدين، وهو يعتبر أن المحللين كانوا على صواب.

يعتبر سوبوتين أن المسألة الإيرانية كانت اساسية في المقاوضات. ويذكّر الكاتب بأن اللقاء قد عقد في موعد قريب جداً من 18 تشرين الأول/أكتوبر، يوم السنوية 30 لاستعادة العلاقات بين البلدين. وهو يعتقد أن هذا الوقت مناسب لبحث مسائل السياحة والعودة إلى الحياة الطبيعية بعد الوباء.

ماريانا بيلينكايا المتابعة لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة “Kommersant”، والتي أوفدتها الصحيفة لتغطية اشتباكات الطيونة، قالت ل”المدن” بأنها لا تعتبر أن اختيار سوتشي بدل موسكو هو تخفيص لمستوى اللقاء، مع العلم أنه كان من المتوقع أن يحتفى على مستوى أرفع بالسنوية 30 لاستعادة العلاقات بين البلدين. وترى أن هذا كان محبِط قليلاً، لكن لا ينبغي الاستنتاج من ذلك بأن ثمة تغييراً في العلاقات. ورأت أن سوريا هي الموضوع الأول على طاولة المقاوضات، وكذلك موضوع الصفقة النووية الإيرانية، كما من المتوقع أن يكون قد طرح موضوع المفاوضات على مستوى مجالس الأمن القومي، وكذلك العلاقات الثنائية بين البلدين.

المصدر: المدن

مقالات أخرى للكاتب