غزوان قرنفل: حتى لا يكون السوريون المجنسون مواطنين مع وقف التنفيذ

السبت 30 تشرين الأول/أكتوبر 2021

يعيش في تركيا وفق آخر إحصائيات إدارة الهجرة التركية نحو ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف سوري معظمهم تقريبا تحت بند الحماية المؤقتة، وقلة منهم يحملون إقامات سياحية أو إقامات عمل. قامت الدولة التركية عقب موجة الهجرة الكبرى نحو أوروبا عام 2015 ومغادرة آلاف من أصحاب الكفاءات والاختصاصات العلمية والتخصصات الجامعية المختلفة بالبدء بعملية تجنيس استثنائي للسوريين لديها من أصحاب الشركات ورؤوس الأموال ومعظم من تبقى من حملة الشهادات والاختصاصات العلمية لديها حتى بلغ عدد السوريين المجنسين منذ العام 2016 وحتى الآن نحو مئة وخمسين ألفا بحسب البروفسور مراد أردوغان المختص في شؤون الهجرة وعضو هيئة التدريس بالجامعة التركية الألمانية. 

وبطبيعة الحال تمثل مسألة اكتساب جنسية أي دولة بوابة الحصول على شرف المواطنة في الدولة المكتسب لجنسيتها بما تمنحه لك من حقوق وترتبه عليك من واجبات والتزامات قانونية وقيمية بوصفك مواطنا متساويا مع أقرانك المواطنين – بالمولد أو بالتجنس – في الحقوق الدستورية. 

السوريون في تركيا لا يستطيعون تملك العقارات بموجب قرار حكومي قديم يعود إلى زمن النزاع حول الممتلكات بين سوريا وتركيا حيث قامت السلطات السورية بحجز أموال وعقارات الأتراك الواقعة ضمن حدودها ومنعتهم من التملك وردت تركيا بالمثل، واستمر الحال على ذلك حتى الآن.

ورغم أن السلطات التركية كانت قد أصدرت عام 2012 القانون رقم 6302 المعدل لقانون السجل العقاري والتي منحت فيه الحق في تملك العقارات في تركيا لمواطني مئة وثلاث وثمانين دولة دون شرط المعاملة بالمثل وهي سابقة لم تحصل منذ العام 1934 عندما دخل قانون السجل العقاري حيز التنفيذ في إشارة واضحة للاهتمام الكبير الذي توليه الدولة للاستثمار العقاري لكنها أبقت على استثناء السوريين من الحق بالتملك العقاري فيها وبالتالي أبقتهم ضمن مبدأ المعاملة بالمثل، وهذا مادفع بعدد من السوريين خلال السنوات العشر الأخيرة لتأسيس شركات وشراء عقار يتم تسجيله كأحد موجودات الشركة وليس كملكية شخصية لصاحبها. 

تنفس كثير من السوريين المجنسين الصعداء بعد حصولهم على الجنسية التي تمنحهم شخصية قانونية جديدة وتسمح لهم بتملك العقارات كأي مواطن تركي آخر، وبادر قسم لا بأس به منهم لشراء عقارات فعلا ليؤسسوا لأنفسهم فيها مستقرا جديدا.. لكن فجأة ومن دون أي مقدمات تقرر مديرية الطابو أن تلزم السوريين الحاملين للجنسية التركية خلال عملية شرائهم لعقار والذهاب لنقل ملكيته لاسمهم، التوقيع على إقرار أو سند تعهد لا يعرفون مضمونه ولم يمنحوا نسخة عنه ليتعرفوا على مضمون ما يجبرون على التوقيع عليه وإلا لن تنجز معاملة نقل الملكية (!) وخلاصة ما يتضمنه هذا الإقرار أنه (وبوصفه سوري المولد فإنه يأخذ علما أن هذا العقار قد يقع تحت طائلة القانون رقم 1062 لعام 1927 وقرار مجلس الوزراء رقم 7104 \6 لعام 1966 والذي يتيح للخزينة العامة مصادرته أو منع التصرف به إن فقد جنسيته التي يتملك بموجبها لأي سبب أو لم يكن له وارث تركي) وهذا ما أدى لإلغاء عشرات عمليات الشراء ورفض إتمامها بالنظر لخطورة تلك الخطوة على حقوق الملكية التي يفترض أن يتمتع بها المواطن – المجنس  (!).

قوبل هذا الإجراء التعسفي بحملة استهجان ورفض كبيرة من قبل السوريين المجنسين من مالكي العقارات خصوصا أنهم تملّكوا بصفتهم مواطنين أتراكاً وهو ما يوفر لهم مركزا قانونيا مختلفا تماما عن مقتضيات ومنطوق وهدف القوانين السابقة التي لا تنطبق عليهم بأي حال من الأحوال. 

إثر ذلك قامت مديرية الطابو بإلغاء هذا الإجراء لكنها استحدثت بديلا عنه وهو وجوب حصول السوري المجنس على موافقة مسبقة من الإدارة الوطنية للعقارات في أنقره على أي عملية بيع أو شراء لعقار، وهو بالتأكيد إجراء لا يقل سوءا عما سبقه لأنه يقيد حق المواطن بالتصرف بأمواله بيعا أو شراء وهو ما يخالف أسس حقوق المواطنة نفسها.. وقد مضى الآن على تطبيق هذا الإجراء التعسفي أكثر من شهر ولم ترد إلى الآن أي موافقة على الطلبات التي تقدم بها من عدة ولايات تركية سوريون مجنسون لبيع عقاراتهم (!!!).

في هذا السياق تحضر لساحة الذهن أسئلة من قبيل: (فيما يتعلق بمن تم رفض طلبهم بيع العقار ما هو مصير هذا العقار، هل يبقى معلقا دون إمكانية لبيعه؟؟؟ ألا يعتبر ذلك منعا للمالك من التصرف بملكه وهو ما يخالف الدستور والحق القانوني بالتصرف بالمال الخاص بأي وجه من الوجوه ؟) .. ثم بالنسبة لمن وردتهم رسائل بوجوب مراجعة شعبة الأجانب بمديرية الطابو.. كيف لدائرة حكومية أن تطلب من مواطن حاصل على جنسية الدولة وتملّك عقارا فيها أن يراجع شعبة الأجانب بشأن عقاره!!! وكأنها لا تعترف بمواطنته أو جنسيته؟ بما يمثل أخطر انتهاك لحقوق المواطنة المتساوية.

في حمأة هذا التخبط من المهم استمرار الجهود المبذولة بدأب مع جميع مستويات المسؤولين الحكوميين والسياسيين، من ولاة وبرلمانيين وقادة أحزاب لبسط تفاصيل هذا الأمر أمامهم وحثهم على العمل لإلغاء مفاعيل أي قرار أو تعليمات إدارية تتعلق بممتلكات السوريين الأتراك من شأنها أن تؤثر على حقوقهم الخالصة في تلك الممتلكات وحقهم المطلق بالتصرف بها بالشكل والتاريخ الذي يبغون، ويبقى اللجوء لعدالة القضاء الإداري هو الخطوة الأخيرة التي لا بأس من اللجوء إليها إذا ما فشلت المساعي غير القضائية وهو حق يصونه القانون والدستور وعلينا سلوكه حتى لا يكون السوريون المجنسون مواطنين مع وقف التنفيذ.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب