خطيب بدلة: سوريا ديمقراطية.. هذه الخرافة

الثلاثاء 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

“أأنت تصدّق أنّ إسرائيل وأميركا تسمحان بإقامة دولة ديمقراطية في سورية؟”… هذه، تقريباً، صيغة السؤال الاستنكاري الذي يردده بعض المعارضين السوريين منذ عشر سنوات؛ في مقابلات تلفزيونية تناقش الوضع السوري، أو من خلال كتاباتهم. وبما أننا، أبناء هذه المنطقة، معتادون على الخطاب الذي يوحي بوجود مؤامرةٍ دائمةٍ علينا، فإنّ عقلنا سرعان ما يتقبل هذا الكلام. ثم، ولكثرة التكرار وتعدّد القائلين وتَمَتُّعِ بعضهم بشيءٍ من المصداقية، تترسّخ الفكرة في أذهاننا، ونردّدها على أسماع غيرنا، وغيرُنا يصدّقها ويحفظها ويرددها…

أول سؤال بديهي يمكن أن يتبادر إلى ذهن الإنسان الذي يستخدم عقله، في مثل هذه الحالة: لماذا؟ أو ما هو الخطر أو الضرر الذي يلحق بأميركا وإسرائيل وبقية الدول التي تناصرهما إذا أصبحت سورية، أو غيرها، دولةً ديمقراطية؟ للجواب، تعالوا ننزل عند رغبة هؤلاء السادة، ونصدّق مقولة أخرى ملتبسة يردّدونها أنّ أميركا تنفذ ما تريده إسرائيل، مغمضةَ العينين، وأنّ السياسة الأميركية بمجملها تابعة للسياسة الصهيونية… وبعدها، نبحث عن طبيعة الحكم في الدول التي خاصمتها أميركا، منذ نشوئها، واشتبكت معها في معارك سياسية، أو عسكرية، أو دخلت معها في حربٍ باردة .. يا تُرى، هل كانت من بينها دولة ذات نظام ديمقراطي؟ (الاتحاد السوفييتي، الصين، أفغانستان، كوبا، فيتنام، إيران، كوريا الشمالية، العراق أيام صدّام حسين، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام .. إلخ).

السؤال الثاني الذي لا بد أن يطلّ برأسه على ساحة هذه المناقشة: لماذا تخاف إسرائيل والإدارةُ الأميركية التابعة لإرادتها (كما افترضنا) من احتمال أن تُقام دولة ديمقراطية مكان سلطة الأسد الديكتاتورية؟ هل ستكون الدولة الديمقراطية الوليدة معادية لإسرائيل، تريد اقتلاعها ورميها في البحر، بالضرورة؟

أرجو أن يكون جلياً أنّ الموضوع الأساسي لهذه المقالة مناقشةُ فكرة إقامة دولة ديمقراطية في سورية، مستقبلاً، وليس البحث عن مصلحة إسرائيل. لنأخذ على ذلك أمثلة، في سنة 1954، قضى رئيسُ مجلس قيادة الثورة المصرية جمال عبد الناصر على بقايا الديمقراطية في مصر، حينما أمّم الصحف الخاصة، وأرسلَ اللواء محمد نجيب، الذي كان ينادي ببقاء العسكر في ثكناتهم، إلى الإقامة الجبرية. وبعدها بسنتين، 1956، أمّم قناة السويس بقرار فردي استبدادي، لم يستشر فيه أيّ مؤسسة للشعب، علماً أنّ امتياز شركة القناة التي تأسّست سنة 1869 كان سينتهي في 1968، وتعود ملكيتها لمصر بسلاسة منقطعة النظير، أي من دون أن تتعرّض مصر لكارثة العدوان الفرنسي البريطاني الإسرائيلي، الذي سمّي “الثلاثي”، وفي نهايته، وَقَّعَ عبد الناصر اتفاقية أعطى لإسرائيل بموجبها (مرغماً) حق العبور في القناة. وفي أواسط الستينيات، عانت إسرائيل من انطلاق العمليات الفدائية الفلسطينية من الأراضي السورية، وأصدر حزب البعث، وهو غير ديمقراطي طبعاً، بعد 1966، قراراً بعدم منح مرتبة “عضو عامل” لأيّ بعثي لم يقم بعملية فدائية في الأرض المحتلة. وفي 1967، قبيل الحرب بقليل، هيأ عبد الناصر أجواء الحرب مع إسرائيل، إذ منعها من العبور في مضيق تيران، وأنذر القوات الدولية بالمغادرة لئلا تقع بين نيران المتحاربين، وخطب قائلاً إنّ بداية الحرب ستكون نهاية إسرائيل. وهكذا، حتى منيت الدول العربية الثلاث بالإضافة إلى فلسطين بهزيمة ساحقة.

لو كان نظام صدّام حسين ديمقراطياً، فلربما لم يعلن الحرب على إسرائيل، ولم يضرب صواريخ بعيدة المدى على أراضيها، ولو كان في لبنان دولة ديمقراطية قوية، لما حصلت حرب 2006 الكارثية نتيجة تصرف عبثي من زعيم حزب الله التابع لإيران حسن نصر الله.

هذا كلّه لا يعني أنّ الدولة الديمقراطية لا تدافع عن أرضها ضد الاحتلال، لكنّ إرادة الشعب هي التي تقرّر، بحذر وروية، فلا تكون النتائج كارثية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات أخرى للكاتب