نازحات في شمال شرق سوريا يجبرن على ترك أطفالهن المرضى والتوجه للعمل

الجمعة 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

سوريا اليوم – القامشلي

تتجه عيوش نزيم (43 عاماً)، وهي نازحة من ريف مدينة سري كانيه (رأس العين) تسكن في مخيم نوروز بريف مدينة ديرك، أقصى شمال شرقي سوريا، كل يوم، رفقة نازحات أخريات إلى مطعم في المدينة لصنع خبز الصاج بهدف سد بعض احتياجات أطفالهن.

تقول المرأة إن تردي الظروف المعيشية وغلاء أسعار المواد واحتياجات أطفالهن الذين يعانون من أمراض، دفعها هي وأقرانها للعمل في المطعم رغم مخاطر بقاء أطفالهن وحدهم في الخيام، فيما تعمل أخريات في جني محاصيل المواسم الزراعية ومهن أخرى.

والسيدة الأربعينية هي أم لثلاث طفلات تبلغ أكبرهن عشرة أعوام، وتتكرر إصابة إحداهن بالتهاب اللوزتين الحاد، فتزداد مخاوفها مع قدوم فصل الشتاء، وخاصة أنها لن تستطيع إشعال المدفأة لحين عودتها من العمل خشية تعرضهن لحريق، بحسب ما جاء في تحقيق نشرته وكالة “نورث برس” المحلية اليوم الجمعة.

وبعد وصولها إلى المخيم قبل نحو عام، عملت “نزيم” لفترة في قطف الخضراوات، لكن قلة الأجور اليومية التي لم تكن تتجاوز ثلاثة آلاف ليرة دفعها للبحث عن عمل آخر، إلى أن  بدأت العمل في صنع خبز الصاج لأحد المطاعم منذ نحو شهرين.

وتصنع هي ونازحتان أخريان ألف رغيف من خبز الصاج يومياً مقابل سبعة آلاف ليرة سورية لكل منهن.

ويضم المخيم حالياً، 817 عائلة نازحة من مناطق عفرين وسري كانيه وتل أبيض وأرياف تل تمر، تضم 4.173 فرداً، بحسب إدارة المخيم.

وتأسس المخيم عام 2014 بهدف إيواء العائلات النازحة من قضاء شنكال (سنجار) بعد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبعد الإعلان عن القضاء على التنظيم عاد اللاجئون إلى مناطقهم أو التحقوا بعائلاتهم في مناطق أخرى فضلوا العيش فيها.

وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 2019، نزحت إلى المخيم عائلات هرباً من هجمات تركيا وفصائل معارضة موالية لها على سري كانيه وتل أبيض، فأعيد افتتاح المخيم بعد أن بات فارغاً.

“مجبرات على العمل”

تنهمك المرأة في تشكيل قطع من العجين على شكل كرات صغيرة، وتقول إنها مجبرة على العمل فلا معيل لعائلتها بعد وفاة زوجها منذ نحو ستة أعوام، ولا تمتلك بعد النزوح أي مورد دخل.

وتجد أن أجرتها التي تستلمها نهاية الأسبوع قليلة مقارنة بغلاء وتكاليف علاج طفلتها المريضة وخاصة أنها بحاجة لإجراء عملية جراحية لها لاستئصال اللوزتين.

وتضيف: “الأسبوع الماضي اشتريت لطفلتي أدوية بـ20 ألف ليرة ودفعت سبعة آلاف ليرة كمعاينة للطبيب، لم يبق من أجرتي الأسبوعية شيء”.

ويقول النازحون في المخيم إن أوضاعهم المعيشية تزداد سوءاً، في ظل نقص المساعدات المقدمة لهم من المنظمات الإنسانية، حيث كانوا سابقاً يستلمون سلالاً غذائية شهرياً، في حين يتأخر توزيعها حالياً لأكثر من شهرين وربما أكثر.

والسبت الماضي، قال شيخموس أحمد، وهو الرئيس المشارك لهيئة شؤون النازحين واللاجئين في الإدارة الذاتية، إن هناك فجوات في آلية توزيع المساعدات للنازحين في المخيمات وإيصال المساعدات لهم مع حلول فصل الشتاء.

وأضاف، في تصريح لنورث برس، أن هناك نقصاً في المواد والدعم القادم من الخارج وذلك بسبب إغلاق المعابر الذي انعكس سلباً على المخيمات، وأدى لحدوث أزمات إنسانية وصحية.

ظروف صعبة

وتشتكي زهرة محمود، وهي نازحة من مدينة سري كانيه، من قلة المساعدات التي لا تكفي عائلتها: “نحن تسعة أشخاص،  يعطوننا 18 رغيفاً في اليوم، الكمية قليلة لا تكفي سوى لوجبتين”.

ولـ “محمود” طفل وطفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتضطر هي الأخرى لتركهم في الخيمة لتتمكن من العمل لتأمين احتياجاتهم، “لا أرى أطفالي حتى في المساء، لو كانت أحوالنا جيدة لما توجهت للعمل”.

وتعمل “محمود” مع ابنتها في جلي الصحون في المطعم ذاته بمعدل 11 ساعة يومياً مقابل ثلاثة آلاف ليرة لكل منهما، كما أنها تحصل على ربطة خبز من المطعم مجاناً.

ويبدو أن حال وسيلة اسماعيل (37 عاماً)، وهي نازحة من سري كانيه وتسكن منذ عام في مخيم نوروز، ليس أفضل من سابقاتها، فهي الأخرى لديها طفلتان، تعاني إحداهما من مشكلات صحية في القلب.

تشتري الأم لطفلتها المريضة أدوية بمبلغ 16 ألف ليرة سورية، وتقول: “إن لم أعمل، كيف سأومن ثمن أدويتها؟”.

وتواجه العاملات في المطعم صعوبة في تأمين المواصلات، وخاصة أنهن يأتين من المخيم في ساعات باكرة وبعد انتهاء عملهن لا يجدن في أغلب الأحيان وسيلة نقل، وفقاً لما ذكرته إحداهن لنورث برس.

وتقول “إسماعيل” التي تبدو عليها علامات التعب: “نبدأ العمل لحظة وصولنا إلى المطعم، يكون الجو بارداً، نشعر بالإنهاك والتعب حتى ننتهي من إعداد ألف رغيف”.  

وتضيف أن زوجها يعمل كعامل مياومة، “لكنه يعمل أياماً ويتوقف أيام أخرى بسبب عدم توفر العمل، أضطر للعمل لتأمين تكاليف علاج طفلتي وأساعده في  مصروف العائلة”. 

وتتخوف هي الأخرى من تعرض طفلتيها لأذى أثناء تواجدهن في الخيمة لوحدهن، وخاصة بعد إصابة إحداهن قبل أيام أثناء عبثها بحجارة وسقوط إحداها على قدمها، “عدت إلى المخيم، كان الجيران قد أسعفوا طفلتي إلى المستوصف”.