نبراس إبراهيم: هل يعودون إلى سوريا؟!

الجمعة 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

هرب من سوريا خلال عشر سنوات أكثر من عشرة ملايين مواطن إلى خارج البلاد، وتوزّعوا في دول إقليمية وعربية وأوروبية، بحثاً عن ملاذ آمن، بعضهم الأقل حظاً استقر في مخيمات في دول الجوار، وبعضهم الآخر استقر في بلاد الله الواسعة، أوروبية في معظمها، سكنوا فيها، وتعلم جزء منهم لغتها، ودرس أبناؤهم في مدارسها وجامعاتها، وانخرط جزء ليس بالقليل في سوق العمل، وتأقلموا مع بلدان إقامتهم الجديدة.

أجمعت استقصاءات الرأي، أن الغالبية العظمى من هؤلاء لن يعودوا إلى سوريا ما لم يتغيّر النظام، أو يصل المجتمع الدولي إلى حل سياسي يُنهي الدولة الأمنية في سوريا ويحقق العدل ويضمن الأمن والأمان، كما أظهرت أن جزءاً كبيراً منهم لن يعود ليستقر من جديد في سوريا نهائياً، حتى لو تحقق ذلك، فلديهم مبرراتهم الكثيرة المُقنعة، حيث استقروا وتآلفوا مع بلدان لجوئهم، وانخرطوا في أعمالهم الجديدة، وتطبعوا بطبائع أهلها، ووجدوا الاستقرار والأمن والعدالة، ووجدوا أنفسهم في دول تحترم المواطنين وتٌساوي فيما بينهم، وتحترم القانون وتُطبّقه على الجميع دون تمييز، مواطناً كان أم مهاجراً أم لاجئاً، وتمنح الحقوق بسخاء لمن يقوم بواجباته، وتحترم الرأي المخالف وتؤكد على ضرورة التعبير عنه بكل حرّية.

وجد جزء كبير من اللاجئين السوريين أنفسهم لأول مرة في دول متحضرة، ديمقراطية وتعددية وتداولية، النظام فيها فوق الجميع، والعدل قائم ومُقدّس، والفساد مذموم ومُكافح، والانخراط في الحياة السياسية حق للجميع، والإعلام حر وصوته عالٍ، والنظام السياسي لا يختطف الدولة، والعدالة مُعمّمة، والمساواة مضمونة.

اكتشف جزء كبير من اللاجئين السوريين لأول مرة في حياتهم أن الرئيس موظّف يعود إلى منزله كمواطن عادي بعد انتهاء فترته الرئاسية، وأن هناك في هذا العالم انتخابات حرّة ونزيهة، وأن الوزير يُحاسب على أي فساد يقع به مهما كان صغيراً، وأن دور رجل الأمن هو حماية الوطن والمواطن لا إذلاله، وأنه ممنوع على المخابرات أن تختطف البشر وتخفيهم، وأن السياسي لا يُورّث منصبه، وأن القانون فوق الجميع.

رأى جزء كبير من اللاجئين السوريون لأول مرة في حياتهم أن التعليم يجب أن يكون مجّانياً حتى نهاية المرحلة الجامعية للجميع وبالجودة نفسها، وأن الرعاية الصحية حق لكل من يوجد في الدولة، لأن حياة البشر تعني كثيرا، وأن القوانين تُساوي المرأة بالرجل في كل شيء، وأن كبار السن أولوية لكل الحكومات، وأن الدولة يمكن أن تأخذ من الغني لتمنح الفقير، وتضع في خططها الأساس أن تُساعد الأكثر ضعفاً في المجتمع حتى لا ينام إنسان وهو جائع.

لهذا ولغيره، لن يعود غالبية من لجأ إلى دول متحضّرة، وفي الغالب الأعم سيستقرون، يدرسون ويعملون ويعيشون، ويطّلعون على الثقافات والحضارات الجديدة، رويداً رويداً أو بسرعة، وربما يبرعون في اختصاصاتهم، مهنية كانت أم علمية أم فكرية، وبعضهم سيُبدع وينجح، وسيكون دون شك لبعضهم شأن في بلاده الجديدة، والخاسر الوحيد هو سوريا.

أفرغت حرب النظام السوري سوريا من نصف سكانها، أفرغتها من كثير من الحرفيين المهرة، والأطباء والمهندسين والأكاديميين، وأفرغتها ممن يمكن أن يُساهم في بناء سوريا بعد إرساء الحل السياسي والاستقرار، لأن من غادرها في الغالب الأعم، لن يعود، وإن عاد، سيعود لها أياماً كضيف يبكي على الأطلال، ثم يُغادر ليعود إلى وطنه الجديد، وطن المواطنة لا وطن الخنوع.

تمر السنون ويزيد عدد اللاجئين إلى خارج سوريا، وتتضاءل فرص عودة غالبيتهم، ويبدأ الحنين إلى سوريا يخفت، وتذوي فكرة العودة إلى الوطن الأول، وتنطفئ الذكريات تدريجياً، وتخسر سوريا يوماً وراء يوم قوة بشرية وفكرية وإنسانية أساسية، وتخسر أطفالها وشبابها وشيبها، فمتى يجب التوقف عن استنزاف الطاقات؟ ومتى يعي أنه لن تُبنى سوريا من جديد دون هؤلاء، وأنهم ملح الأرض وطيبها، وأن عودتهم أهم منه ومن كل استبداده وحربه وسطوته وفساده ومخططاته، وأنه بطرده كل هؤلاء يكون أخطر على سوريا من أي استعمار.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتبة