أحمد جاسم الحسين: من سيرة مسؤول سوري حزبي سابق!

الأحد 9 كانون الثاني/يناير 2022

كان يدرك أن حصوله على ذلك المنصب طبيعي، فالمناصب التي يشغلها حزبهم في القيادة، هي ذاتها يشغلونها في الحكومة، وقد جرى العُرف أن تكون العلاقات الخارجية لهم، وتابع متذمراً: صحيح أنه منصب مُتعِب، لا يجد من يستلمه سبيلاً للراحة، لكن الاشتغال في الشأن العام يعني من جملة ما يعني: التضحية بالراحة الشخصية!

سوّغ حرصه على تسلّم مكتب العلاقات الخارجية بمعرفته بلغة أجنبية، مع أنه ليس متمكناً منها، نظراً لصعوبة تعلمها، فالبعثة التي حصل عليها باستثناء من القائد؛ كونه التحق بدورة المظليين، لم تسنح له، أن يتفرغ للعمل البحثي، كان مشغولاً بالموالين والمعارضين منذ مرحلة الثمانينات، ينظر إلى مناضلي اليوم نظرة استخفاف، يتذكر أيام النضال الحقيقي! ويقول “أولئك عيال عليّ في النضال”، إخلاصه النضالي مدّد له البعثة لتشمل الماجستير والدكتوراه. كم خلّص الوطن من السيِّئين في ذلك الوقت، حيث بقوا في مغتربهم، بعد أن تسربت أخبار كان يتفنَّن في تسريبها تتعلق بكونهم مطلوبين أمنياً، ومن هو السوريّ الذي سيتجرأ على التفكير بالعودة إلى الوطن، حين يسمع هذه الجملة!

حين عاد، حاولت قوانين تعيين المبتعثين منعه من التعيين، بسبب تقرير في لجنة تقييم الإنتاج العلمي كتب المقيِّمُ فيه: إن هذا البحث لا يصلح رسالة ماجستير في جامعة دمشق!

 لكن “المخلصين من أبناء الوطن” وضعوا حداً لذلك المحكِّم، وأعادوا تشكيل اللجنة بما يضمن إعادة الحق إلى نصابه، فتمّ تعيينه تحت بند المصلحة العامة!

ليس أفضل من تدريب على الحلم بوزارة الخارجية، سوى تكليفه بمكتب العلاقات الخارجية! ومن جهة أخرى سيجد في المكتب فرصة لتركيع عدد من السفراء، الذين كانوا يهملون تلميحاته بالسفر، بل إنه حين كان يسافر شخص من طرفه، لا يرسلون له سيارة المراسم، وفي الوقت نفسه وصلته معلومات من موظفين بالسفارات، أن سيارات السفارة مستنفرة لخدمة أبناء الضباط وزوجاتهم أثناء تسوقهن في أوروبا! وإهمال السفراء له امتدّ ليصل إلى أنهم كانوا ينسونه من هداياهم الدورية التي يرسلونها لقيادات البلد!

سيجعل من المكتب محجة لمئات الراغبين بأن يصبحوا سفراء لبلدهم، وقد أخذ مدير مكتبه ببثّ إشاعات مفادها أن القيادة بصدد تفعيل المكتب، بحيث لن يحلم سفير بصدور مرسومه، إنْ لم يكن ترشيحه قد انبثق من هنا!

مدير مكتبه منذ أول يوم، داوم فيه قال له: معلم! هذا ليس مكتباً للعلاقات الخارجية! هذا مكتب تحقيق الأحلام! البلد يحتاج للكفاءات، والكثير من أبنائه لديهم أحلام، والأحلام حتى تتحقق لا بدَّ لها من شبابيك وأبواب، دعني أكن شباكك الأمين لتحقيق أحلام المواطنين!

نظر في عينيْ مدير مكتبه: البيت المتماسك يجب أن تكون شبابيكه أنيقة، تمنع عنه تقلبات الطقس! أنت منذ اليوم شباكي الذي أطِلُّ من خلاله على العالم!

كان يزعجه كثيراً لقب (المفتاح) و”فلان مفتاح فلان”، يبغض ذلك اللقب، فالمفتاح يستعمل للبراغي المشدودة، والتواصل مع المواطن يتطلب البراغي الرخوة، كي لا تطق البراغي، والتسمية تحمل دلالات سلبية كثيرة تتعلق بالارتهان!

+++

سببٌ آخر جعله يتمسك بمكتب العلاقات الخارجية في القيادة القطرية، تشجيعه لريال مدريد، قرّر أن يوقِّتَ زياراته الخارجية لأوروبا في مواعيد مبارياته، وسيسمح له وضعه المناصبي أن يجلس في المنصة الرئيسية، عندها سيغدو من نافل القول إنه سيتصور مع اللاعبين صوراً سيبز بها أقرانه في “لعب الورق” مساء الذين انقسموا إلى فريقين: فريق يشجع الريال وفريق يشجع برشلونة.

وجد مترجماً يُعَرِّفُ عن نفسه بأنه “باحث في العلاقات العربية الإسبانية”، شرح له عن الأحزاب الإسبانية، وأيها الأفضل لإقامة علاقة معه، وكان المترجم يقبض أجور استشاراته وخدماته للرفيق عضو القيادة من الإذاعة والتلفزيون، حيث يتصل مدير مكتبه بمدير التلفزيون ليخبره أن الرفيق عضو القيادة القطرية للشؤون الخارجية، مهتم شخصياً بتفاصيل الباحث في “العلاقات العربية الإسبانية”، عندها يوجه مدير التلفزيون معدّي البرامج بضرورة الإفادة من هذه الكفاءة الوطنية الاستثنائية!

 كان يمكن أن يتصل بوزير الإعلام ويطلب منه ذلك، لكن التجارب علمته أن الاتصال بـ “الصغار” الراغبين بالوصول أفيدُ بكثير من الاتصال بمن (سقّفوا) و”التسقيف” حالة سورية تدل على أن الشخص المسقِّفَ وصل إلى غاية ما يحلم به، أو ما تسمح الظروف به! وما يمنعه من فتح تسقيفه ربما، اعتبارات جغرافية أو شهادات، أو سوى ذلك! وعادة ما يكون هؤلاء “المسقِّفون” من ذوي النهم الأعلى، ولديهم رغبة بفتح باب التسقيف!

مسقِّفو الشهادات مثلاً حلوا أمورهم بالحصول على شهادات دكتوراه، بات يمنحها متعهدون لجامعات افتراضية! أو سواها مما أحدثه مهاجرون عرب في أوروبا، وقدوتهم في ذلك شخصيات من الصف الأول في القيادة القطرية والوزارات وفروع الأمن!

مساعدتُه لـ “المسقِّفين” تريحه نفسياً، يشعر أنه يفتح الباب أمام شخص فقد الأمل، إذ لا يختلف مرض النهم للمناصب عن أي مرض مزمن، متى ما سمع بدواء يوصي عليه، مهما كلفه ثمنه! وقد صار أولئك طبقة اجتماعية في سوريا، بعد انقراض ما يدعى بالطبقة الوسطى، ومثل هؤلاء هم نوَّارة مكاتب المسؤولين، تجدهم في كل مكان، ما إنْ يسمعوا بمنصب شاغر، أو أن صاحبه سيرحل حتى يهبّوا! يتابعون الصحف اليومية وخاصة صفحة التحقيقات، لعلهم يجدون رائحة مسؤول يريد أن يطير، يهبون نحو الشخص المعني، يقدمون ولاءهم بطرق عدة يعلمها جيداً “المفتاح والشباك والباب”، كثير منهم لا ينقصهم المال، ليس هدفهم الصفقات والتعهدات والسمسرة فحسب، بل هدفهم “حب الرياسة” كما سماه ابن خلدون، دافعهم جينات لم يبرؤوا منها لأنهم كانوا على الأغلب يتزوجون بنات عمهم!

يرى وطنه من خلال المذكرات، التي تأتيه يومياً من فروع الحزب في المحافظات، وهو وطن مزدهر لا مشاكل فيه، لا فقر، أو هموم، يخصّص نصف وقته لاستقبال الرفاق من مختلف المحافظات، مكتب العلاقات الخارجية لم يعد يحقق نشوة الانتصار لديه، وهو مسعى غائر في تاريخ البشر، لذلك جاء رفضه لتغيير الكرسي، الذي يجلس عليه، إبان تجديد “عفش القيادة” بحجة أنه مرتاح عليه، ذلك أنَّه في أعماقه لا يستطيع تجاوز تاريخ هذا الكرسي، ببعده الرمزي الذي يجعله أكثر توازناً!

يستشهد لمن يجلس معهم، مسوّغاً نهمهم، بمقولة منسوبة للـسياسي السوري الذي كان نموذجاً كان خلطة من الإقطاعية والرأسمالية والليبرالية والإسلام المعتدل “خالد العظم” حين حيَّاه أحد المرافقين بالضرب على الأرض بسدة مع التحية: أهلاً سيادة الرئيس!

فقال العظم لمرافقه: هل ترى كل تلك الأملاك و(كانت ملكيته تشمل أحياء عدة في أطراف دمشق)، كل تلك الممتلكات لا تساوي تلك التحية!

ينظر عضو القيادة إلى النصف الملآن من كأس أفعاله، يستذكر كمْ يقدم من خدمات مجانية للناس، وظف عائلة معظم سائقيْه، وكذلك أولاد المرأة التي تنظف منزله وبناتها، ويوزع ثلث ما يأتيه من هدايا على الأصدقاء!

يعيش بشخصيتيْن: شخصيته الرسمية التي تحافظ على كاريزما المسؤول. وشخصية اللامبالي التي يستحضرها في رياضته، وألعابه، ومع من يحب!

يكره المرافقين وينعتهم في أعماقه بكلاب الصيد، ويجزم أنهم مخبرون عليه، وأول ما تتاح له فرصة التخلص منهم يصرفهم، مع ثقته أن لهم عيوناً تراقبه!

رياضته، وسهره اليومي يريحانه منهم، يحنّ إلى استعادة ذاته، يشعر نفسه في المكتب أنه شخص غير الذي يعرفه، يرتدي لباسه الرسمي صباحاً، فيرتدي معه وجهه وأقنعته الوطنية والمصلحة العامة، التي يشعر أنها عبء ثقيل الحضور في الاجتماعات الرسمية!

ما أشبه اليوم بالأمس، فالكثير من مؤسَّسات المعارضة ترحب بهذا النوع من ثقافة الخراب، وتعيشه وتشجعه عبر عدد من قياداتها حيث نجدُ الحالم غير المسقّف، والمتذمِّر، المتلهّف لتدمير الزملاء والرفاق، والمسؤول النهم، الذي يحقِّق نشوته بإسقاط الرموز والأقنعة!

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.