عبد الباسط سيدا: هل من إمكانية لفتح الآفاق المسدودة في المنطقة؟

الجمعة 11 شباط/فبراير 2022

انسداد الآفاق في عدد من دول منطقتنا هو حصيلة التفاعل بين جملة المشكلات التي عانت منها على مدى عقود من جهة، وتصادم الإرادات والمشاريع الإقليمية من جهة ثانية؛ هذا بالإضافة إلى أجواء الحرب الباردة الجديدة التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق منذ أكثر من عقد؛ وهي اليوم تُنذر بحربٍ ساخنةٍ نتيجة تصاعد التوتر بين الغرب وروسيا حول الموضوع الأوكراني، الذي من الواضح أنه يشكل، بالنسبة إلى روسيا، الحجر الأساس في مشروعها الإمبراطوري الأوراسي، وهو مشروعٌ يثير هواجس الأوروبيين والأميركان، ودول عديدة كانت خاضعة للنفوذ الروسي في مختلف المراحل، لا سيما إبّان عهد الاتحاد السوفياتي، فهذه الدول، ويُشار هنا بصورة خاصة إلى سورية والعراق واليمن ولبنان، تعاني من نتائج تراكم إخفاقات السلطات التي حكمتها بعد مرحلة الاستقلال، خصوصا في عهد السلطات العسكرية التي لم تتحوّل إلى إدارة رشيدة كان من شأنها بناء مجتمعاتٍ وطنيةٍ متماسكة، على الرغم من التنوع الديني والمذهبي والإثني الذي كانت تتسم به، وهو تنوّع له خلفيته التاريخية التي تمتد إلى أقدم العصور، واستمر في المراحل الإسلامية بعناوينها المختلفة؛ إلى أن كانت الحرب العالمية الأولى 1914 – 1918، التي أسفرت عن تقسيم المنطقة بناء على مصالح الدول المنتصرة في الحرب وحساباتها، وذلك بموجب الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت في أثناء الحرب وبعدها، وربما قبلها، ويُشار هنا بصورة خاصة إلى اتفاقية سايكس بيكو 1916، ومعاهدة لوزان 1923.

وقد استطاعت السلطات العسكرية، التي تبنّت الأيديولوجيا القومية الموشّاة بشعارات اشتراكية في كل من سورية والعراق واليمن، أن تفرض صيغةً من الاستقرار القسري العسكري الأمني على مجتمعاتها، واستفادت في هذا المجال من واقع الاستقطاب الدولي الذي كان بعد الحرب العالمية الثانية بين الغرب والشرق. لذلك، ظلت المشكلات القومية والمذهبية والمناطقية من دون حل، وهي المشكلات التي تسبّبت في حدوثها، وأدّت إلى مصادمات عنيفة من حين إلى آخر ضمن هذه الدول، مع اختلاف طبيعة الظروف والعوامل الفاعلة بطبيعة الحال، الأمر الذي فتح المجال أمام التدخلات الإقليمية، وأسهم، في الوقت ذاته، في استنزاف الطاقات والقدرات لصالح الأجهزة القمعية، وفي بناء جيوشٍ استخدمت لتعزيز هيمنة الحاكم وتأبيده، وكانت الحروب العبثية المدمرة التي ما زالت شعوب المنطقة ودولها تدفع ضريبتها.

أما في لبنان، فقد فرضت جغرافية البلد وتركيبته المجتمعية صيغة خاصة من الديمقراطية الطائفية التوافقية الهشّة، التي لم تكن الحل المثالي بالنسبة إلى جميع الطوائف، إذ ظل الشيعة، على سبيل المثال، بعيداً عن الامتيازات التي خُصّ بها السنة والموارنة. هذا إذا اعتمدنا الثقل السكاني مقياسا، ولكنها مع ذلك كانت، مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في الدول الثلاث المشار إليها، أفضل الموجود إذا صح التعبير. هذا على الرغم من الانفجار المجتمعي الذي كان سنة 1958 الذي كان استمراراً للتبيّنات التي كانت سابقاً، وتمهيداً لما حصل لاحقاً في الحرب الأهلية عام 1975، وهي الحرب التي ما زالت نتائجها مستمرّة، بل تعقدت أكثر وأكثر مع استمرار الوجود العسكري والأمني السوري في عهد حافظ الأسد و”وارثه” بشار الأسد؛ ومن ثم دخول إيران على الخط بقوة في مرحلة بشار الأسد الذي لم يتمكّن من الحفاظ على التوازنات الإقليمية التي كان والده يحرص عليها، حتى بات حزب الله الحاكم الفعلي للبنان؛ وهو الذي يقرّ بنفسه بأنه جزء عضوي من المشروع الإيراني في المنطقة بأسرها، على جميع المستويات.

ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، وانكشاف حقيقة السلطات التي كانت ترفع لواء المشروع القومي من جهة، وتتصارع من جهة أخرى أجنحتها القبلية والشللية والأسرية من أجل التمكّن وإزاحة الخصوم، وبأي ثمن.

وفي مناخات غياب المشروع الوطني الناضج الذي كان من شأنه طمأنة الجميع، برز المشروع الإسلاموي ليعلن أصحابه أن الإسلام هو الحل. هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء كانوا يستلهمون توجهاتهم من التجربة الإيرانية الخمينية، وهي التجربة التي استلهمت في واقع الحال الكثير من أفكار سيد قطب وغيره من المفكّرين الإسلاميين. وتحول هذا التوجه إلى تيار سياسي لافت مع وصول الإسلاميين إلى الحكم في تركيا، بداية مع حزب الرفاه بقيادة أربكان عام 1996، ومن ثم في عهد حزب العدالة والتنمية 2002 تزامنا مع سقوط حكم صدام حسين 2003، وتحوّل العراق بعد انهيار الدولة والجيش إلى ساحة مفتوحة أمام المشروع الإيراني الذي اعتمد المذهب وسيلةً للتمدّد والتغلغل والتحكّم عبر استغلال المظلوميات الشيعية، وهي المظلوميات التي كانت، بفعل الإخفاقات المشار إليها، من السلطات العسكرية المشار إليها التي لم تتمكّن من طمأنة جميع المواطنين، ولم تحترم سائر الخصوصيات، ولم تعترف بالحقوق المشروعة.

الانسدادات التي تعاني منها دول المنطقة لا يمكن تجاوزها من دون توافقات إقليمية دولية، لأن ما يجري فيها لا يقتصر فقط على الخلافات والصراعات الداخلية البينية، بل هناك قوى إقليمية، وأخرى دولية منخرطة بصورة مباشرة في الوضع، أو أنها تمارس تأثيراً فيه، بناء على عوامل تاريخية وحسابات وأولويات فرضتها المعادلات والتوازنات الإقليمية والدولية. ولكن هذه التوافقات المطلوبة تبدو راهناً مستبعدة، وذلك في أجواء توتر العلاقات بين الغرب وروسيا من جهة، وعدم وضوح معالم طبيعة العلاقة التي ستكون بين الصين والغرب. هذا على الرغم مما بشّر به المبعوث الأممي الخاص بالملف السوري، غير بيدرسن، الذي أوحى بوجود توافق روسي أميركي حول اعتماد سياسة الخطوة مقابل الخطوة في الموضوع السوري؛ لأن هذا الأخير قد بات مجرّد ورقة من أوراق الضغط التي تستخدمها القوى الدولية في سبيل الحصول على تنازلاتٍ في مختلف الملفات، خصوصا الملف الأوكراني الذي لم يعد سراً أنه يمثل محور الاهتمام الأوروبي الغربي في وقتنا الراهن، نتيجة ما يُنذر به من مضاعفات، سواء على صعيد مخاطر التصادم العسكري، وهو موضوع ستكون له تبعات ملموسة في واقع منطقتنا، تتمثل بداياتها في التحرّكات والمناورات العسكرية، ومحاولات تأمين بدائل للغاز الروسي تحسّباً لأي طارئ. وهذا كله ينذر بمزيد من التوتر بين القوى الإقليمية، أو بكلام أدقّ بين إيران والقوى الإقليمية الأخرى، نتيجة إصرار الجانب الإيراني على المشروعين، النووي والتوسعي، الأمر الذي ينذر بمزيد من التصعيد والتوتر.

ولكن هناك في المقابل تحرّكات إقليمية يُستشف منها وجود نيات لتهدئة التوترات بعض الشيء، ومحاولة البحث عن إيجاد المخارج الممكنة للصراعات التي كانت وما زالت تبدو وكأنها صراعات وجودية لن تنتهي إلا مع إخراج الخصوم أو المنافسين من دائرة الفعل، فهناك لقاءات سعودية إيرانية ربما لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة، إلا أن مجرّد استمراريتها، والحديث عنها يُعد خطوة إيجابية، وذلك لأن انعكاسات التفاهم السعودي الإيراني، في حال حصوله، ستكون إيجابية على واقع الدول المعنية. كما أن الزيارة المرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى السعودية ربما تساهم، هي الأخرى، في تعزيز التفاهمات التركية الخليجية التي قد تكون مقدمةً لتفاهم إيراني خليجي؛ واللافت أن هذه الزيارة تأتي بعد تلك التي قام بها ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، إلى أنقرة.

ولعله من الأهمية بمكان أن يشار هنا إلى الدبلوماسية النشطة التي تقوم بها دولة قطر، وقدرتها على التواصل مع جميع الأطراف. ولعل ما صرح به الرئيس الأميركي، جو بايدن، في أثناء لقائه مع أمير دولة قطر، تميم بن حمد آل ثاني، في البيت الأبيض حول الوضع الخاص الذي تحظى به قطر في علاقاتها مع الولايات المتحدة يؤكد نجاح هذه الدبلوماسية وأهميتها.
وقد يكون من باب تحصيل الحاصل، إذا ما أشير هنا إلى أن إسرائيل موجودة في مختلف التحرّكات الإقليمية الجارية، سواء عبر العلاقات الثنائية المباشرة المعلنة أم غير المعلنة مع دول المنطقة؛ أو عبر المشاركة في المناورات العسكرية، وحتى في عمليات القصف التي تقوم بها دوريا في سورية، وهي العمليات التي تطاول المواقع والمراكز الخاصة بالقوات الإيرانية ومليشيات حزب الله.

الاستقرار المطلوب الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة هو الذي يضمن الأمن والسلام للجميع، ويوفر شروط العيش الحر الكريم على أسس عادلة تؤكد أن للجميع المكان والاحترام والدور. وهذا يمكن تحقيقه إذا تضافرت الإرادات الوطنية مع التوجهات الإقليمية. وحينئذٍ، ستتركز الجهود على التنمية والمعارف والمصالح في سياق حوار حضاري بنّاء، يقطع مع الجهود التدميرية التي استنزفت الموارد البشرية والمادية، وستستنزف المزيد إذا ما استمرّت دول المنطقة، خصوصا الأساسية منها، في خططها واستراتيجياتها الراهنة التي أثبتت الأحداث ضرورة إعادة النظر فيها عبر مقارباتٍ تأخذ تطلعات المستقبل المُشْرِق في الحسبان، لا الماضي المتخيّل بأحقاده العمياء، ومآسيه الكارثية.

المصدر: العربي الجديد

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.