أحمد البرهو: اللجنة الدّستوريّة.. مساران ويتمٌ سياسي

الأربعاء 30 آذار/مارس 2022

منذ بدء حرب النظام على الشعب السوري في آذار 2011 والعالم يتناول الملف السوري ضمن مسارين سياسيين اثنين:

أولا: مسار جنيف:

– الذي بدأت نسخته الأولى في حزيران 2012 مع اجتماع “مجموعة العمل من أجل سوريا” تحت قبة الأمم المتحدة، حيث تبنى المؤتمر نقاط عنان الست وأولها: (الالتزام بالعمل من أجل عملية سياسية شاملة يقودها السوريون).

– بعد ارتكاب النظام مجزرة الكيماوي في آب 2013 بلغ الضغط الدولي على النظام أشدّه، وفي ظل هذه الأجواء انعقد (مؤتمر جنيف 2) عام 2014 حيث أكدت المعارضة خلاله على “هيئة الحكم الانتقالي”.

– في كانون الأول 2015 صوّت مجلس الأمن بالإجماع على مشروع “القرار الدولي 2254″، الذي تقدّمت به أميركا، والذي اعتمد ضمنا بيان (جنيف1)، وصرّح بعمليّة “انتقال سياسي” تقوم بها “هيئة حكم مشتركة” بصلاحيات واسعة، وهو ما سوف تتمسّك به المعارضة.

– في وقت لاحق تم تأجيل (جنيف 3) من شهر شباط، لينعقد في شهر آذار من عام 2016 وستحاول روسيا في هذه الأثناء تنشيط ورقة “المعارضة الداخليّة” و”منصة موسكو” وسيتطرّق المبعوث الدولي “ستيفان ديمستورا” إلى “الانتقال السياسي”، وستتفاعل منصة موسكو معه، بل سيقدّم قدري جميل رؤية منصة موسكو لعملية “الانتقال السياسي”، في الوقت ذاته سيستمر النظام بالتهرّب من استحقاقات العملية التفاوضيّة.

– في كانون الأول 2016، ستتقدّم روسيا، وبدعم من تركيا، إلى مجلس الأمن بنص القرار (2336)، الذي يؤكد على مجموعة بنود من ضمنها: (وقف الأعمال القتاليّة) و(إجراء عملية سياسية جامعة بقيادة سوريّة استنادا إلى بيان جنيف..) وفي هذه الأثناء سيولد مسار جديد اسمه “مسار أستانة”.

ثانياً: مسار أستانة:

 مسار مواز لجنيف، بدأ في 2017 بدعم من ثلاث دول: “إيران، وروسيا، وتركيا”.

 – بالعودة إلى جنيف، وإلى الجولة الرّابعة منه، حيث طرح المبعوث الأممي ديمستورا مقترح السلال الأربعة: (الحكم، والدستور، والانتخابات، والإرهاب) كصيغة عمل لتطبيق القرار 2254، وإحداث “انفراجة” في العملية السياسيّة.. ثمّ سيحمل ديمستورا سلاله إلى الجولة الخامسة من جنيف، التي انعقدت في آذار 2017.

– في أيار 2017 انعقدت الجولة السادسة من جنيف، التي لم يكن “وقتها القصير كافيا” لمناقشة السلال بحسب ديمستورا. لذلك انتقل النقاش إلى (جنيف 7) لتتبناها المعارضة خلال المؤتمر الذي انعقد في تموز 2017…

– وفي غضون مؤتمر (جنيف 8) الذي انعقد في كانون الأول 2017 صرّح ديمستورا أنَّ جنيف “لم يناقش مصير الرئاسة في سوريا”..

– أما في (جنيف أو فيينا 9) المنعقد في 25 من كانون الثاني 2018 فقد رفض النظام مقترحاً مقدماً من خمس دول لتطبيق القرار 2254.

– لم تكد جلسات (جنيف 9) تنتهي حتّى تم الإعلان في 29 من كانون الثاني 2018 في روسيا عن مؤتمر سوتشي.

وقتها، لم يتم تقديم “سوتشي” باعتباره يمثل مساراً سياسيّاً موازياً لجنيف اسمه أستانة، بل تم الإعلان عن سوتشي كمؤتمر للحوار، بهدف “إيجاد حل للحرب الأهليّة في سوريا”، إلّا أنه من هذا المؤتمر انبثقت فكرة اللجنة الدستوريّة.

– في نهاية شهر 11 من عام 2018 أعلن المبعوث الدولي ديمستورا عن استقالته، فتم تعيين “بيدرسن” خلفاً له.

بدأ بيدرسن عهده بالعمل على سلة (الدستور). ولاقى اعتراضاً من المعارضة يطالبه بالالتزام بتعهّد للمبعوث الدولي السابق: “بالعمل على السلال الأربعة جميعها وبالتزامن”، غير أن الاعتراض هذا لم يلق استجابة، وعلم السوريون فيما بعد أنّ “تعهّد ديمستورا” كان شفهيّا، بينه وبين رئيس هيئة التفاوض “نصر الحريري وقتها” ومن ثمّ فلا قيمة قانونيّة للتعهّد الشفهي..!

سبع جولات للجنة الدستوريّة، انتهت جميعها دون إنجاز حقّقته المعارضة لصالح الشعب السوري. بالمقابل كانت سبع جولات منحت النظام فرصة للعمل على إفراغ القرار 2254 من مضمونه، واختزال العمليّة السياسيّة بـ (لجنة دستوريّة) بالتزامن مع استمرار معاناة السوريين فقط.

سبع جولات ليس لدى المعارضة من مبرّر لخوضها إلا “عدم توفر مسار آخر”، وكأنّ ذلك منقبة لأعضاء اللجنة الدستوريّة وهيئة التفاوض، ولابد للشعب السوري أن يقدّر جهودهم فيها. أو أن عدم توفر فرصة أخرى، تطل المعارضة من خلالها، مبرّر كافٍ يبيح للمعارضة إهدار ما كان أنجزه الشعب السوري بدمه!

– إنّ اللجنة الدستورية كمقترح، وإن تبناه المبعوث الجديد “بيدرسن” بعد مشاورات مع وزير خارجيّة النظام، ومع المعارضة ممثلة بهيئة التفاوض من طرف آخر، ثم تبنّاه الأمين العام للأمم المتحدة “غوتيريش” وأعلن عنه من جنيف 2019 كـ (لجنة دستورية يقودها ويمتلكها السوريون..!)، إلا أنّ المقترح، في الأصل، منبثق عن سوتشي، لا عن جنيف.

وحتّى تتضح الفكرة أكثر سنشير إلى أن النظام -كجهة اعتبارية- هو ذاته سواء في جنيف، أو في سوتشي. في حين أنّ المعارضة، والثوّار منها على وجه الخصوص، ليسوا هم ذاتهم في المسارين المختلفين: جنيف، وأستانة!.

ستبقى تساؤلات تدور في أذهان السوريين تتعلّق بمشروعيّة (مكوّنات الهيئة الدستوريّة) المؤلّفة من: 150 عضوا كهيئة موسّعة، و45 عضوا كلجنة مصغّرة، موزّعين بالتساوي على ثلاثة كيانات:

1- وفد النظام كممثل عن “الحكومة السوريّة”: بعد قتله لمئات آلاف السوريين، وتشريده لما يزيد على نصف الشعب السوري، والتسبب بتمزيق سوريا إلى كيانات عديدة..!

2- وفد المعارضة الذي يستمدّ مشروعيّته من (هيئة التفاوض)؛ فهل هي هيئة منتخبة من قبل الشعب السوري المعارض، وثابتة لم تتغيّر بناها منذ تأسيسها في مؤتمر الرياض 1 ثم 2. خاصّة أنّ تبادل خبرات الزّعامة بين الهيئة وبين الائتلاف يشير إلى طمأنينة الثبات في أكثر من مؤسّسة، في حين لا يكاد يهدأ قلق المواطن السوري العادي، تجاه برد الشتاء وحر الصيف وقصف النظام!

3- التساؤل الثالث يخص “لمسات” المبعوث الدولي بيدرسن: إذ اجتهد المبعوث فاقترح مكوّنَ: “منظمات المجتمع المدني”، فهل المقصود بمنظمات المجتمع المدني تلك التي تنشأ في بلد ما، فتلعب دورا في النشاط الثقافي والفكري، وقضايا حقوق الإنسان.. أم المنظمات التي يشكّلها الدّعم!

إذ إن كثيراً من السوريين، وأنا منهم، ما يزالون ينظرون إلى مكوّن (المجتمع المدني) باعتباره ممثّلاً عن موظفي المنظمات، وهذا، فيما لو كان دقيقا، جيد، رغم كونه غير عادل، وغير منطقي في ظل غياب مجتمع مدني حقيقي، إلا أنّه يؤمّن تمثيلا سياسيّا لفئة من السوريين على أيّة حال.. إلّا إنّ مكوّن (المجتمع المدني) لا يمثّل حتى هؤلاء!

رغم انتهاء الجولة السابعة من أعمال اللجنة الدستورية دون إنجازات، ودون إجراء مؤتمر صحفي يعقب الجلسة الأخيرة، إلا أن المعارضة لم تحدّد بعدُ فيما إذا كانت ستعتذر عن المشاركة في جولة لاحقة، أو ستضع شروطا للمشاركة على أقلّ تقدير، أو أنّها هي ذاتها لا تمتلك مثل هذا القرار!

ولعلنا لا نكون قد كشفنا مخبوءاً، أو أفشينا سرّاً إذا قلنا: إنّنا – كسوريين- لسنا على طاولة الحوار، بقدر ما تتحاور الدول، وتتنازع مصالحها من خلالنا، وإنّ ذلك ما يزال يبعث فينا يتماً سياسيّا مهما تعدّدت المسارات، وتنوعت التسميات.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

مقالات أخرى للكاتب

سوريا اليوم. أخبار سوريا. أخبار سوريا اليوم. سورية اليوم. أخبار سورية. أخبار سورية اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم. أخبار اليوم سوريا. أخبار اليوم سورية.